«النقد الشبابي في مصر»..صرخة وعي جديدة تعيد للناقد مكانه

في لحظة تتعدد فيها الأصوات وتتسارع فيها التحولات، يأتي كتاب « النقد الشبابي في مصر- قراءة وتوثيق لمسيرة أكثر من 30 ناقدًا مسرحيًا مصريًا» ، للكاتب محمد عبد الوارث ليقف كوثيقة مهمة تؤرخ لجيلٍ جديد من النقاد، جيلٍ اختار أن يشق طريقه وسط مشهد مسرحي متغير، وأن يمنح النقد حضورًا جديدًا يتجاوز أنماطه التقليدية.

الكتاب، الصادر عن الدورة العاشرة لمهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، لا يمثّل مجرد تجميع لسِيَر نقدية شابة، بل هو مشروع وعي يأخذ على عاتقه قراءة المشهد النقدي المصري في العقد الأخير، ورسم خارطة متكاملة لمجموعة من الأصوات التي فرضت حضورها، وأسست لخطاب جديد أكثر حيوية وتعددًا وانفتاحًا على الوسائط المعاصرة.

جيلٍ يمتلك شغف المغامرة

يحتفي محمد عبد الوارث في كتابه بجيلٍ يمتلك شغف المغامرة وجرأة التعبير، جيلٍ لا يكتب النقد بوصفه سلطة، بل بوصفه مساحة معرفة وطرح أسئلة وتوليد معنى،  فالناقد الشاب، كما يقدمهم الكتاب، ليس ابن الأكاديميا فقط، بل ابن المهرجانات، والمنصات الرقمية، وفضاء التفاعل السريع، وابن اللحظة الاجتماعية التي أعادت تعريف العلاقة بين المبدع والجمهور.

ويمضي الكتاب نحو تفكيك ظاهرة النقد الشاب من جذورها الفكرية والسوسيولوجية، محللًا تغيرات سلطة الناقد، وتراجع المؤسسة التقليدية، وصعود الفضاء الرقمي كحاضنة جديدة للكتابة النقدية، هذه القراءة تمنح الكتاب بعدًا آخر، يجعله يتجاوز التوثيق إلى التحليل الجاد لطبيعة التحوّل النقدي الذي تعيشه مصر منذ عام 2011 وحتى اليوم.

المؤلف ينتمي لهذا الجيل

ولعل أجمل ما يميز هذا الإصدار أنّ مؤلفه نفسه ينتمي إلى هذا الجيل، فيكتب من موقع الشاهد والمشارك معًا؛ لذلك تأتي لغته دافئة وقريبة من القارئ، خالية من التنظير المعقّد، وممتلئة بالاعترافات، ومحملة بروح تقدّر الجهد وتحتفي بالتجربة أكثر من احتفائها بالأسماء.

كما يسجّل الكتاب فضل مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، الذي تحوّل خلال عشر سنوات إلى منصة حقيقية لاكتشاف وتعزيز الأصوات النقدية الشابة، مما يجعل صدور هذا الكتاب في يوبيله البرونزي بمثابة احتفال نقدي بمسيرة المهرجان نفسه، وبالدور الذي لعبه في فتح المجال أمام جيل جديد ليكتب، ويحلل، ويطرح رؤيته دون وصاية.

مرحلة جديدة من الوعي النقدي

إن «النقد الشبابي في مصر» ليس مجرد كتاب، بل شهادة جيل يعيد تعريف علاقته بالمسرح، ويؤسس لمرحلة جديدة من الوعي النقدي الذي يرفض التبعية، ويقاوم العزلة، ويبحث عن لغته الخاصة. إنه احتفاء بالناقد الشاب باعتباره صانعًا للمعنى، وشريكًا في الإبداع، وفاعلًا في المستقبل المسرحي، لا مجرد قارئ على الهامش.

بمثل هذه الإصدارات، تستعيد الحركة المسرحية المصرية جزءًا من ذاكرتها، وتفتح نافذة على مستقبل أكثر رحابة، حيث يصبح النقد فعلًا حيًا، ومجالًا للتجريب، وصوتًا لا ينفصل عن نبض المسرح وحركة المجتمع.