يواصل مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، برئاسة المخرج مازن الغرباوي، في دورته العاشرة تقديم مساحات معرفية تثري التجربة الإبداعية للشباب، وتمنحهم فرصة استثنائية للقاء الكبار وفهم أسرار المهنة.
وفي هذا الإطار جاء الماستر كلاس الذي قدمه النجم الكبير هاني رمزي تحت عنوان “الشخصية الكوميدية بين التشخيص والتمثيل”، ليشكل لحظة فنية ذات قيمة عالية، ليس لأنه يناقش الكوميديا فحسب، بل لأنه يكشف الجانب العلمي الدقيق في بناء الشخصية الكوميدية، ويضيء كيف تتولد البهجة من أدوات واعية وحرفية مكتملة.
تكريم بحجم مسيرة
استهل رئيس المهرجان مازن الغرباوي اللقاء بتأكيد أن المهرجان يكرّم نجومًا مثل هاني رمزي ليعرف الجيل الجديد قيمة الرحلة التي مرّ بها هؤلاء الفنانون، قائلاً: “نكرّم نجومًا بحجمه ليستلهم الشباب من مسيرتهم الإبداع والالتزام، هذا التكريم لم يأتِ من فراغ، فهاني رمزي- كما وصفه الناقد والمخرج جمال عبد الناصر-هو أحد أهم صانعي البهجة وبصمته راسخة في ذاكرة الضحك العربي.
من الطفولة إلى خشبة المسرح… ميلاد الكوميديان
أعاد هاني رمزي الحضور إلى طفولته، تلك اللحظة التي رافقه فيها والداه إلى المسرح، فشاهد مدبولي وعادل إمام وسعيد صالح، ليكتشف أن الخيال هو مفتاحه الأول نحو الإبداع، ويكشف أن شرارة المهنة اشتعلت حين رأى أطفالًا يمثلون في “شاهد مشافش حاجة: “من اليوم ده قلت لازم أبقى ممثل ،هذا الوعي المبكر جعل رحلته تبدو طبيعية؛ بداية من مسرح كلية التجارة مع صلاح عبد الله، مرورًا باستديو ٨٠ مع محمد صبحي، ثم الالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، حيث صقلت موهبته بالتدريب والانضباط.

التشخيص أم التمثيل؟.. بنية الشخصية الكوميدية
قدّم رمزي واحدة من أهم المقولات في اللقاء: «مهنة التمثيل مافيهاش كبار..كل يوم لازم نتعلم».، من هنا شرح الفرق بين شخصيات الواقع العادية وبين شخصيات تصنع بخيال الممثل.
واستعاد مثال محمود فهيم – سكرتير عبد الناصر- وكيف بحث في تفاصيل انحناء ظهره وتأثير الرصاصة على جسده، ليجسد الشخصية بدقة مع محفوظ عبد الرحمن ومحمد فاضل.
أما شخصياته الأشهر، مثل أبو العربي والغبي في فيلم “غبي منه فيه”، فقد ولدت من الخيال المبني على ملاحظة الحياة اليومية. ابتكر طريقة مشية وحديث وأسلوب تفكير كامل، إلى حد أنه ذهب إلى طبيب أسنان لصنع طقم خاص للشخصية!
ويصف العمل على الشخصية بأنه عملية “سكن مؤقت” يعيش فيها الممثل، حتى إن أسرته – كما قال ضاحكًا – كانت تتعامل معه أحيانًا كأنه الشخصية نفسها.
الشخصية الكوميدية… فلسفة قبل أن تكون أداءً
توقف رمزي عند نقطة جوهرية: الكوميديا ليست تهريجًا، بل بناء درامي قائم على التفاصيل الدقيقة.
السيناريو المرن، ورؤية المخرج، والخيال الواسع للممثل كلها عناصر تصنع الضحك الحقيقي، ولهذا اعتبر أن تقديم”بطل غبي”كان مغامرة عربية غير مسبوقة، لكنها قائمة على دراسة ومجازفة محسوبة.
شهادات تكشف قيمة الفنان
تحول الماستر كلاس إلى مساحة وجدانية حين قدّم عدد من النجوم شهادات تعبّر عن تقديرهم للفنان وإنسانيته: إلهام شاهين: “سعادتي بتكريم هاني رمزي كبيرة… فهو فنان موهوب وإنسان لا يتأخر عن زملائه”.. هالة صدقي: روت موقفًا نبيلًا دعّمها فيه رمزي في بداية مشواره، محمد رضوان استعاد أيام استديو 80 وكيف كان رمزًا للمثابرة، زوجة هاني رمزي تحدثت للمرة الأولى في لقاء عام عن إنسانيته، مؤكدة أنها تعتبر نفسها محظوظة بوجوده في حياتها.

لمسة ختام… واحتفاء متجدد
اختتمت الدكتورة إنجي البستاوي الجلسة بإهداء بورتريه فني لهاني رمزي، وسط تصفيق كبير، كما شهدت الفعالية توقيع كتابين صدرا في دورة المهرجان: «النقد الشبابي في مصر» لمحمد عبد الوارث، و«أبرز مخرجي الألفية الثالثة» للناقد باسم صادق.
نجح هذا الماستر كلاس في كشف أن الكوميديا، كما يقدمها هاني رمزي، ليست مجرد أداء يثير الضحك؛ بل هي علم ودراسة وملاحظة وتكوين نفسي وبدني للشخصية.
إنها عملية مركّبة يلتقي فيها التشخيص بالتمثيل، والخيال بالواقع، ليولد ذلك الفن النادر القادر على بث البهجة وصناعة ذاكرة جماعية للضحك.
وهكذا، لم يكن اللقاء مجرد درس، بل احتفاء بصانع ضحك كبير استطاع تحويل الكوميديا إلى مدرسة أداء كاملة.
