لا تكمن أهمية مسابقة الأفلام القصيرة في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي في اتساع خريطتها الجغرافية التي تمتد إلى 14 دولة، بقدر ما تكشفه تركيبتها عن اتجاه واضح في نظرة المهرجان إلى الفيلم القصير، إلي مساحة لاختزال أزمات العالم الكبرى في لحظة، وتحويل القضايا الثقيلة إلى حكايات صغيرة، تستخدم الخيال والتحريك والمفارقة بقدر اعتمادها على الواقعية.
الحرب، الفقد، الذاكرة، العنف، الاغتراب والهوية تتكرر في عدد كبير من الأفلام، لكن اللافت أن المخرجين لا يتعاملون معها باعتبارها موضوعات جاهزة، وإنما يبحثون عن مداخل غير مباشرة إليها، طفل، حصان، مزهرية، قطة، وجبة كنتاكي أو مفتاح شقة يمكن أن تصبح جميعها بوابة إلى قضية أكبر من حجم الحكاية، وهنا تحديدًا تكمن طبيعة الفيلم القصير، لا يملك وقتًا للإسهاب، ولذلك يراهن على الفكرة والصورة والإيحاء.
حين تصبح وجبة كنتاكي وثيقة عن الحرب
يأتي “كنتاكي غزة” للأردني عمر رمال في مقدمة الأفلام التي تكشف هذا الاتجاه،فالحصار لا يظهر من خلال مشاهد الحرب التقليدية، وإنما من خلال رغبة بسيطة في الحصول على وجبة من مطعم أصبح الوصول إليه شبه أسطوري، تتحول هذه الرغبة إلى مغامرة، لكنها في الوقت نفسه محاولة لترميم علاقة بين أنور ووالده، الفكرة تبدو ساخرة في ظاهرها، لكنها تحمل مفارقة قاسية، عندما يصبح الحصول على وجبة عادية في مدينة محاصرة مغامرة، يصبح الطعام نفسه وثيقة عن الحرب.
أطفال يولدون وسط الحرب
وفي “يومًا ما ولد” للمخرجة ماري روز أوستا، تأتي الحرب من عين طفل لبناني يعيش في قرية اعتادت أصوات الطائرات، امتلاك الطفل قدرات خارقة لا يحول الفيلم إلى حكاية فانتازية خالصة، بل يمنحه وسيلة للحديث عن جيل نشأ والحرب جزء من الصوت اليومي المحيط به، أما “لا أحد يعرف العالم” لرودي ديكستر، فيذهب إلى طفل آخر، شيتو، الذي يعتني بحمام زاجل يستخدمه شقيقه في تجارة المخدرات، هنا لا نرى العنف باعتباره حدثًا منفصلًا، وإنما باعتباره واقعًا سرق من طفل طفولته، ثلاثة أفلام، وثلاثة مداخل مختلفة، لكن السؤال واحد، كيف تعيد الأزمات الكبرى تشكيل حياة من هم أصغر من أن يختاروها؟
حصان وصبي
يبدو “حصان كالغال” للسينمائي زيشين تشاو مختلفًا في موضوعه، لكنه يلتقي مع الأفلام السابقة عند سؤال القوة .. حصان مغولي ينتظر الخصاء، وصبي في العاشرة يحاول حمايته، العلاقة بين الاثنين تضع الطفل أمام اكتشاف مبكر لعالم لا تكون فيه الرغبة في الحماية كافية دائمًا، اختيار الحيوان هنا ليس مجرد حيلة درامية؛ إنه يوسع دائرة السؤال من العنف ضد الإنسان إلى منظومة السيطرة نفسها، ومن يملك حق فرض إرادته على الكائن الأضعف.
من مفتاح شقة إلى أزمة الهوية
من أكثر الأفلام دلالة على رهان المسابقة على المفارقة “ارتباك” للمخرجة المصرية مريم عبد الجابر.. مفتاح تمنحه امرأة مسنة لشابة، ثم اختفاء وجثة، وبعدها تبدأ الشابة في ارتداء ملابس صاحبة المنزل والاستيلاء على خاتمها، الفيلم لا يبدو معنيًا بالبحث عن القاتل بقدر اهتمامه بما يحدث للهوية عندما يجد الإنسان فرصة للعيش داخل حياة شخص آخر، المنزل والملابس والخاتم تتحول إلى أدوات لإعادة تشكيل الذات، وهنا يتحول الغموض من سؤال “ماذا حدث؟” إلى سؤال أكثر تعقيدًا، لماذا تريد هذه الشخصية أن تصبح شخصًا آخر؟.
مزهرية مكسورة
وفي “كسرت مزهرية” لعاصم عبد العزيز، تبدأ الحرب في اليمن من حادث يبدو تافهًا، مزهرية تتحطم، يحاول علي إصلاحها لإيقاف الحرب، لكنه يكتشف أن المشكلة أعمق من الشيء الذي انكسر، الفكرة العبثية تمنح الفيلم فرصة لطرح سؤال سياسي من دون الوقوع في الخطابة، هل الحرب تحتاج فعلًا إلى سبب كبير، أم أن المجتمعات التي تراكم فيها الصراع تنتظر فقط شرارة؟، وهذه إحدى أكثر مناطق قوة الفيلم القصير عندما ينجح أن يستخدم شيئًا صغيرًا لقول شيء أكبر بكثير منه.
الذاكرة أكثر التباسًا من الحقيقة
في “تواصل” لآنا بيلوفا، تعيد وفاة الجدة امرأة شابة مغتربة إلى أسئلة علاقتها بالعائلة والحب والفقد، أما “ذكريات مسروقة” لأنديرش دافيدسون فيضع الذاكرة أمام سؤال أكثر التباسًا من خلال صور قديمة لطفل، تتغير دلالتها عندما تنظر إليها الحبيبة من زاوية مختلفة، في الحالتين تصبح الصورة والذكرى غير ثابتتين؛ ما نعتقد أننا نعرفه عن الماضي يمكن أن يتغير بمجرد أن ينظر إليه شخص آخر،وهنا يبدو الفيلم القصير أكثر اهتمامًا بالأثر النفسي للحدث من الحدث نفسه.
هشاشة الأنا الذكورية
يقدم “يا للشباب!” لأنطونيو دوناتو ثلاث حكايات عن الأنا الذكورية، يجمع بينها هوس الرجال بإثبات التفوق وإثارة الإعجاب، المخرج لا يدخل إلى الموضوع من بوابة المأساة، وإنما يستخدم السخرية والمفارقة لكشف هشاشة الصورة التي يحاول أصحابها تقديمها عن أنفسهم، وهذا الاختيار مهم داخل مسابقة تميل إلى الموضوعات الثقيلة؛ لأنه يؤكد أن القضايا الاجتماعية لا تحتاج دائمًا إلى معالجة مباشرة أو قاتمة.
من “كنتاكي غزة” إلى “يومًا ما ولد”، ومن “حصان كالغال” إلى “ارتباك”، تبدو المسابقة منشغلة بسؤال واحد، كيف يمكن لفيلم قصير أن يحمل قضية كبيرة من دون أن يتحول إلى بيان؟، الإجابة تختلف من فيلم إلى آخر، بعض الأفلام يختار الخيال، وبعضها التحريك، وبعضها المفارقة، وبعضها يذهب إلى التفاصيل اليومية، لكن الهدف واحد تقريبًا، الوصول إلى القضايا الكبرى من طريق شخصي وحميم، وهذا ما يجعل الخريطة الموضوعية للمسابقة أكثر أهمية من خريطتها الجغرافية، فالدول متعددة، لكن الهم الإنساني متقارب، والفارق الحقيقي لن تصنعه جنسية الفيلم أو حجم القضية التي يتناولها، وإنما قدرته على تحويل الدقائق المحدودة إلى تجربة تظل أطول من زمنها على الشاشة.
فن ما لا تقوله الصورة
ففي الفيلم القصير، لا توجد مساحة كافية لتفسير كل شيء، وهذه ليست بالضرورة مشكلة؛ أحيانًا تكون هي الميزة، لأن ما لا تقوله الصورة قد يكون أكثر تأثيرًا مما تقوله، ولهذا تبدو مسابقة الجونة هذا العام أقرب إلى اختبار لفن الاختزال نفسه، من يستطيع أن يقول الكثير، من دون أن يشرح كثيرًا؟
