«مسامير الخلود».. حين تصبح المسامير أكثر سلطة من الكرسي

 بقلم : محمد قناوي

في «مسامير الخلود» لا يبدو الكرسي مجرد قطعة أثاث، وإنما يتحول إلى مركز تتقاطع حوله الرغبات والمصالح والخوف والطموح والانقسام،ومن هذه المفردة البسيطة، يبني أحمد الجابري، مؤلفًا ومخرجًا، عالمًا مسرحيًا شديد الرمزية، يضع مجموعة من النجارين أمام سؤال يتجاوز صناعة كرسي الملك: ماذا يفعل الإنسان حين يصبح الوصول إلى السلطة مرهونًا بامتلاك ما ينقص الآخرين؟

شهد مسرح المروج بصلالة العرض  المسرحي «مسامير الخلود» ضمن مسابقة «مسرح ظفار» في الدورة الثانية من مهرجان ظفار الدولي للمسرح، من إنتاج فرقة الأصالة المسرحية الأهلية، وبطولة علي الكثيري، والشريف حسين بن علي العمري، وحسام هبيس، وبمشاركة روان البلوشي مساعدًا للمخرج، وعيسى الصبحي للسينوغرافيا، وياسر محمد للإضاءة، وعلي العجمي للديكور، واليازية البلوشية للأزياء، وأنفال الرواحي للمكياج والمؤثرات الصوتية.

الكرسي.. سلطة تتجاوز العرش

تكمن قوة الفكرة في أن الكرسي لا يحمل دلالة واحدة؛ فهو كرسي الملك في ظاهر الحكاية، لكنه يمتد ليصبح كرسي المعلم والحلاق والموظف، بما يعني أن السلطة ليست حكرًا على القصر، وإنما حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، وفي كل موقع يمنح صاحبه قدرة على التأثير في الآخرين.

ويؤسس  المخرج أحمد الجابري لهذه الرؤية منذ المشهد الأول، حين تمر الشخصيات مصحوبة بأصوات خطوات تبدأ بطيئة ثم تتسارع، في إشارة إلى الزمن الذي يركض بالإنسان بينما يظل مشغولًا بملاحقة أهدافه، ومع اقتراب «لحظة الصفر»، يصبح الزمن نفسه طرفًا في الصراع.

لكن كثافة الرموز تمثل أحد تحديات العرض؛ إذ إن بعض الدلالات تقدم بصورة مباشرة، بينما كان يمكن ترك مساحة أكبر لاكتشافها، فحين يشرح العرض الرمز، يفقد الرمز جزءًا من قوته.

المسامير.. الندرة التي تصنع سلطة

يذهب العرض إلى ما هو أبعد من الصراع حول الكرسي حين يجعل المسامير جوهر الأزمة، فالخشب متوافر جزئيًا، لكن المسامير نادرة، وهنا تتحول الندرة إلى قوة، يطرح الغراء بوصفه بديلًا هشًا، كما يقترح جمع كراسي الفقراء وإعادة استخدامها، فيرفض الاقتراح خوفًا من دعاء أصحابها، وبين الاقتراح والاعتراض يتعطل العمل الجماعي، وينتهي الاجتماع إلى أن يصنع كل نجار كرسيه منفردًا، وهنا تبرز المفارقة” مجموعة تريد صناعة كرسي واحد، لكنها لا تستطيع الاتفاق على كيفية صناعته، إنها ليست أزمة موارد فقط، بل أزمة جماعة؛ فندرة المسامير تكشف هشاشة التضامن، وتحول الاختلاف إلى صراع على النجاة.

من الفقر إلى الفساد

تتسع الدائرة عندما يصل النجارون إلى صاحب المسامير، الذي حول امتلاكه موردًا نادرًا إلى مصدر نفوذ، يصبح المسمار وسيلة للمساومة والابتزاز” كيس دقيق مقابل المسمار، ثم تفاحة”، في صورة تكشف كيف يمكن للندرة أن تمنح صاحبها سلطة تتجاوز قيمته الفعلية، وهنا تبرز الإشارة إلى الرأسمالية؛ فالسلعة النادرة لا ترتفع قيمتها فقط، وإنما تمنح مالكها قدرة على فرض شروطه على من لا يملك، لكن الأخطر أن الخيانة تأتي من داخل المجموعة نفسها؛ فبعد الحصول على المسامير، ينتزع مسمار أحد النجارين ويطرد من المشاركة، وهكذا تنتقل الأزمة من نقص الموارد إلى فساد العلاقات.

الجابري.. الفكرة أقوى من التنفيذ

يمتلك أحمد الجابري رؤية إخراجية واضحة، ويعرف العالم الذي يريد بناءه، لكن العرض يكشف في بعض لحظاته عن فجوة بين قوة الفكرة وقوة تجسيدها مسرحيًا.

الحركة والإشارات والرموز تؤدي دورًا أساسيًا في بناء المعنى، إلا أن بعضها يتكرر أو يأتي مباشرًا، بما يجعل الإخراج أحيانًا أقرب إلى تفسير النص منه إلى ترك الفعل المسرحي يتحدث.

هنا أن الجابري يعرف ماذا يريد أن يقول، لكنه لا ينجح دائمًا في جعل الخشبة تقول ذلك من تلقاء نفسها، وكان يمكن لمزيد من الصمت والتفاصيل السلوكية والصراع الداخلي أن يمنح العرض عمقًا أكبر.

أداء يتحرك داخل الرمز

يواجه علي الكثيري، والشريف حسين بن علي العمري، وحسام هبيس تحديًا صعبًا؛ فالشخصيات محكومة ببنية رمزية تجعل خطر تحولها إلى أدوات للفكرة قائمًا، الأداء يخدم الإيقاع العام، لكنه في بعض اللحظات يميل إلى التعبير الخارجي عن الانفعال، بينما كانت الشخصيات تحتاج إلى بناء داخلي أكثر وضوحًا، فالمسرح لا يصبح أقوى برفع الصوت أو زيادة الحركة، وإنما بامتلاك الشخصية دوافع وتناقضات تجعل المتلقي يصدقها قبل أن يصدق الفكرة التي تحملها.

في المقابل، يمنح حضور شخصيتي المذياع العرض مساحة كوميدية مهمة؛ فالمذياع ينقل الأخبار ويعلن الزمن المتبقي، فيتحول إلى ساعة عد تنازلي تخفف من قتامة العرض دون أن تنفصل عن الحكاية.

السينوغرافيا.. العتمة ليست دائمًا عمقًا

تنسجم الإضاءة مع العالم القاتم للعمل، حيث يسيطر الإظلام والإسقاطات الضوئية الخافتة، بما يعكس الفقر والانتظار والقلق. كما يخدم الديكور والأزياء والمكياج بناء مجتمع مغلق على أزماته، لكن استمرار العتمة لفترات طويلة يقلل من قدرتها على الدلالة؛ فالعتمة تصبح أكثر تأثيرًا حين يقابلها ضوء، والضوء يصبح أكثر درامية حين يكون نادرًا مثل المسامير، وكان يمكن للسينوغرافيا أن تستثمر الكرسي والخشب والمسامير باعتبارها عناصر حية تتغير دلالاتها أمام الجمهور.

حين يأتي الاتهام قبل المكافأة

تصل المفارقة إلى ذروتها عندما يحصل النجارون على المسامير، ويصبح إنجاز الكرسي ممكنًا خلال نصف ساعة، لكن السلطة تحيلهم إلى المحاكمة بتهمة الفساد، هنا يوجه العرض ضربته الأوضح، حين يقترب الفقراء من إنجاز ما طلب منهم، لا تأتي المكافأة، بل يأتي الاتهام.

في النهاية، ينجح «مسامير الخلود» في تحويل المسمار الصغير إلى سؤال كبير عن السلطة والندرة والفقر والتضامن والخيانة. فالكرسي هو الهدف، لكن المسامير هي القوة التي تحدد من يستطيع الوصول إليه.