نورا أنور تكتب: «Digger».. عودة توم كروز للتمثيل الحقيقي

هناك أفلام تخرج من مشاهدتها وأنت تعرف ما أعجبك وما لم يعجبك، وأخرى تتركك في حيرة بين الإعجاب بجرأتها الفنية والاعتراض على اختياراتها الدرامية ، وفيلم “Digger” للمخرج أليخاندرو غونزاليس إيناريتو، والذي يخوض فيه توم كروز مغامرة مختلفة بعيدا عن الأكشن، في تجربة تجمع السخرية السياسية بالكارثة البيئية وتضع المجتمع أمام مسؤولياته، ينتمي إلى النوع الثاني فهو فيلم “يا تحبه يا تكرهه”، ولا يترك مساحة كبيرة للحياد، خصوصا أنه لا يقدم حكاية تقليدية ، وإنما يخلط الواقع بالمسرح، والسخرية بالمأساة والرسالة السياسية بالمبالغة الكاريكاتورية.

من كارثة بيئية إلى لعبة مسرحية

في الثلث الأول من الفيلم ينجح إيناريتو في جذب المشاهد إلى حكاية “ديجر روكويل” رجل البترول المسن الذي يمتلك المال والنفوذ ويتعامل مع من حوله باعتبارهم تابعين لا يملكون حق الاعتراض ، حيث تتكشف ملامح كارثة بيئية بسبب عمليات استخراج االبترول، وسط تحذيرات من عواقب مدمرة، بينما تنشغل السلطة السياسية بحساباتها الخاصة وتفضل إخفاء الحقيقة، لكن المشاهد يفاجأ بتحول يغير طبيعة الحكاية، حين يكتشف أن الأحداث التي تابعها ليست سوى بروفات لمشاهد من مسرحية ساخرة يجري الإعداد لها.

هنا بدأت مشكلتي مع الفيلم، فلم أجد ضرورة درامية كافية لهذا التحول وكان من الممكن أن تستمر الحكاية في مسارها الأول، لكن يبدو أن المخرج أراد أن يجعل المسرح وسيلة للسخرية من المجتمع والسياسة الأمريكية، وأن يطرح تساؤلا حول قدرتنا على مواجهة السلطة حين تصبح الحقيقة نفسها أقرب إلى الكوميديا السوداء، الفكرة جريئة لكن جرأة الفكرة لا تضمن نجاح تنفيذها فقد أربك التحول اندماجي في الحكاية الأولى من دون أن يجعل الطبقة الجديدة من السرد أكثر إقناعا بالضرورة.

توم كروز بعيدا عن الأكشن

رغم تحفظاتي على البناء الدرامي فإن توم كروز يقدم هنا واحدا من أكثر أدواره إثارة للاهتمام في مسيرته ، لقد اعتدنا أن نراه نجما للأكشن، يعتمد على لياقته في الحركة والمطاردات والمشاهد الخطرة، لكنه يتحدى صورته المعتادة في”Digger” ويتخلى عن وسامته ولياقته وشياكته المعهودة ليقدم رجلا مسنا، فظا ومتعجرفا يتعامل مع الآخرين وكأنهم عبيد عنده.

لا يحاول كروز أن يجعل الشخصية محبوبة، بل يمنحنا رجلا اعتاد أن تكون كلمته هي القانون ولا يرى في العالم سوى مساحة لممارسة نفوذه وقد تبدو المبالغة في الأداء أقرب إلى الكاريكاتير، لكنها تتسق مع طبيعة الفيلم الساخرة وبالنسبة لي يمثل “Digger” عودة توم كروز إلى التمثيل الحقيقي، إذ يعتمد هنا على الحوار والتعبير الجسدي وبناء الشخصية لا على الحركة وحدها، ويثبت استعداده لمواجهة تحد تمثيلي مختلف عن أدواره المعتادة.

خطاب يستحق الأوسكار

يأتي خطاب “ديجر” أمام البرلمان الأوروبي بوصفه ذروة الفيلم وأهم لحظاته فبدلا من الاكتفاء بالدفاع عن نفسه أمام اتهامات التسبب في الكارثة، ينقل المواجهة إلى المجتمع نفسه، متسائلا عن مدى استعداده الناس للتخلي عن الرفاهية ووسائل الراحة والترفيه التي ساهم البترول في توفيرها، الفيلم هنا لا يكتفي بإدانة شركات البترول، وإنما يضع المستهلك أيضا أمام مسؤوليته لكن هذا الطرح لا يعني مساواة الجميع في المسؤولية، فهناك فارق بين شركات تمتلك المال والنفوذ والقدرة على توجيه القرارات، وبين مستهلكين لا يملكون القدر نفسه من الاختيار والتأثير.

على مستوى الأداء، يقدم كروز خطابا استثنائيا، مستخدما صوته وحركاته وحضوره لفرض الشخصية على المشهد وأراه من أبرز الإلقاءات السينمائية التي شاهدتها، ومن أقوى عناصر الفيلم، وربما يكون أحد أهم أسباب ترشيح كروز للأوسكار إذا دخل العمل سباق الجوائز.

المال يشتري السلطة

لا يتوقف الفيلم عند الكارثة البيئية بل يكشف علاقة الثروة بالسلطة، من خلال رجل أعمال قادر على التأثير في القرار السياسي، ورئيس أمريكي مستعد للتستر على الحقائق حفاظا على المصالح المشتركة، هذه ليست مشكلة أمريكية أو أوروبية فقط، بل أزمة تتجاوز الحدود، حين يصبح المال قادرا على شراء القرارات وتوجيه السلطة، وتتحول حماية أصحاب النفوذ إلى أولوية تتقدم على حماية الناس، والمفارقة أن “ديجر”، الذي اعتاد السيطرة على الجميع، ينتهي عاجزا أمام عالم ساهم في تدميره وبعد الكارثة، يتخلى عنه العاملون معه وتتآكل قدرته على السيطرة، حتى يصل إلى الانتحار، إنها نهاية تكشف هشاشة القوة القائمة على المال وحده، وعجز صاحبها عن إصلاح ما أفسده أو حتى إنقاذ نفسه.

مسرح داخل السينما

على المستوى الفني يقدم “Digger” تجربة بصرية لافتة فرغم اعتماد مساحة كبيرة من الأحداث على مكان واحد فإن حركة الديكورات وتوظيف الإضاءة يمنحان المكان حياة متجددة ويحولانه إلى مساحة قادرة على التعبير عن مستويات مختلفة من الحكاية.

ينجح الفيلم في إثبات أن المسرح يمكن أن يتحول إلى مادة سينمائية غنية، لا بمجرد تصوير الخشبة، وإنما بإعادة توظيف عناصرها داخل لغة الصورة والحركة كما يستحق فريق التمثيل الإشادة، وفي مقدمته “جون غودمان”  في شخصية الرئيس الأمريكي، “وريز أحمد” في دور العالم الذي يحذر من الكارثة إلى جانب بقية الممثلين.

ومن التفاصيل اللافتة علاقة الممثل بالمخرجة داخل البروفات، “فكورتيس” الذي يقدم دوره “توم” يعترض على المبالغة في الاداء التمثيلي التي تجعل الشخصيات أقرب إلى الكارتون، لكنه يظل ملتزما بتوجيهاتها وهو ما يضيف بعدا عن الصراع بين رؤية الممثل وتصور المخرج من دون أن يكون كافيا وحده للحكم على طبيعة العلاقة بين الممثلين والمخرجين في السينما الأمريكية عموما.

الواقع أكثر قسوة من المسرح

واخر مشهد بالفيلم يخرج جمهور المسرحية ليجد نفسه أمام مدينة غارقة ومدمرة، ويضطر الناس إلى ارتداء أقنعة التنفس، بينما تنتشر مظاهر العسكرة والمراقبة، هنا يعود الفيلم إلى رسالته البيئية، مؤكدا أن تحويل الكارثة إلى مادة للسخرية أو الفن لا يوقف نتائجها، لكن الفيلم لا يخلو من مشكلات في السرد خصوصا في الانتقال بين البروفات والأحداث السابقة، وما يثيره ذلك من التباس في التسلسل الزمني ، فالإشارة إلى مرور خمسة وعشرين عاما على الأحداث المسرحية، ثم التنقل بين مستويات الحكاية كان يحتاج إلى وضوح أكبر حتى لا يتحول كسر الزمن إلى مصدر للتشتيت.

استطيع القول بمنتهي الاريحية أن فيلم  “Digger” لا يمكن الحكم عليه باعتباره تجربة ناجحة أو فاشلة بالكامل ولكن هو عمل طموح يطرح أسئلة مهمة عن المال والسلطة والبيئة، ويقدم توم كروز في دور مختلف يستحق التوقف عنده، قد لا يقنع التحول المسرحي الجميع، وقد تربك بعض اختيارات المخرج الحكاية، لكن الأداء المتميز والجرأة البصرية يجعلان الفيلم جديرا بالنقاش، وربما يبقى السؤال الأهم الذي يطرحه الفيلم هل نحن مستعدون فعلا للتخلي عن بعض رفاهيتنا لإنقاذ العالم، أم أننا نكتفي بمشاهدة الكارثة وهي تتحول إلى عرض