مسلسل «لا ترد ولا تستبدل» ليس من تلك الأعمال التي نتابعها بحثًا عن التسلية أو الهروب من الواقع، بل هو عمل يضعك فجأة في مواجهة مباشرة مع أكثر لحظاتك هشاشة.
أثناء متابعتي للحلقات، لم أكن مجرد متفرجة، بل كنت أستعيد سنواتٍ طويلة عشتها مع أمي تحت رحمة جهاز الغسيل الكلوي. الشاشة هنا لم تنقل حكاية درامية بقدر ما أعادت تشكيل آلام شخصية محفورة في الذاكرة، وجعلت من الأنين الصامت داخل غرف المستشفيات صرخة إنسانية شديدة الصدق.
نجحت المخرجة مريم أبو عوف في تقديم رؤية إخراجية تحترم الألم ولا تتاجر به، لم يقتصر اهتمامها على الدقة الطبية التي أرضت الكادر الصحي، بل امتد إلى خلق حالة شعورية متكاملة؛ فالمستشفى لم يظهر كمكان جامد أو ديكور بارد، بل ككائن حي يتنفس مع المرضى، تارة بقسوته ووحدته، وتارة بدفء العلاقات الإنسانية التي تنشأ بين من جمعتهم المعاناة ذاتها، وجاء اختيار أماكن التصوير واعيًا بدلالة المكان، سواء داخل وحدات الغسيل الكلوي أو في البيوت التي عكست ضيقًا نفسيًا موازيًا لضيق الجسد، وكأن المرض لا يسكن الجسد فقط، بل يمتد إلى الجدران.
لعبت الملابس دورًا مهمًا في رسم الشخصيات دون افتعال؛ رأينا ريم تتحول تدريجيًا من أناقة المرشدة السياحية إلى بساطة مرهقة وملامح شحوب فرضها المرض، فيما ظلت ملابس طه ثابتة وبسيطة، تعكس طبقته الاجتماعية وهدوءه الداخلي، أما ملابس بعوضة وأم أيمن فجاءت شاهدة على فقرٍ قاسٍ يدفع أصحابه أحيانًا إلى قرارات يائسة.
وعلى مستوى الأداء، كان التمثيل أحد أعمدة قوة المسلسل.
قدّمت دينا الشربيني واحدًا من أنضج أدوارها، وجسدت ريم بانكساراتها وصمتها قبل كلماتها، فكانت نظراتها ولغة جسدها أبلغ من أي خطاب مباشر.
وأبدع أحمد السعدني في شخصية طه، الرجل البسيط الذي لا يرفع صوته، لكنه يحمل أثقال الجميع، مقدمًا نموذجًا للرجولة الهادئة الخالية من الادعاء.
ونجح صدقي صخر في تجسيد شخصية نادر، الزوج الذي ينسحب عند أول اختبار حقيقي، دون أن يتحول إلى شرير تقليدي.
أما حسن مالك، ففي دور بعوضة، قدّم شخصية مركبة تجمع بين الطيش والضعف والرغبة في النجاة بأي ثمن، بينما جاءت فدوى عابد في دور أم أيمن محمّلة بثقل الأمومة والتضحية الصامتة، لتصنع مسارًا إنسانيًا انتهى بصدمة قاسية.
وبرز أيضًا دور الشقيقة، الذي قدمته الفنانة سارة حنان بصدق وهدوء، كحلقة إنسانية مؤثرة داخل عالم طه وبعوضة، كاشفة عن الأعباء التي تتحملها النساء في دوائر الفقر والمرض، وعن ذلك الحضور الصامت الذي يظل متماسكًا بينما يتفكك كل شيء من حوله، وهو ما أضاف عمقًا إنسانيًا لمسار بعوضة وجعل سقوطه أكثر إيلامًا.
أكثر ما لمسني في العمل هو تصويره لما يمكن تسميته بـ«مجتمع الغسيل الكلوي»؛ ذلك الرابط الخفي بين المرضى، شعورهم بأنهم عائلة واحدة يتقاسمون الخوف والرجاء.
رأيت في المسلسل الألم ذاته الذي عشته حين يفارق أحد المرضى الحياة أمام الآخرين، أو حين يدخلون الجلسة التالية ليكتشفوا أن مقعدًا صار فارغًا لأن الموت كان أسرع.
عاشت أمي أربع سنوات كاملة داخل هذا العالم، والتقط المسلسل تلك التفاصيل الصغيرة بصدق موجع، دون مبالغة أو شفقة مصطنعة.
الرسالة الأسمى التي لمستني بعمق هي أن «التبرع بالمحبة» هو وحده ما ينجح، كل محاولات البيع سقطت واحدة تلو الأخرى، سواء بالموت أو النصب أو الخديعة، بينما كانت لحظات العطاء الخالص وحدها الضوء في هذا النفق.
تجلت هذه الفكرة بوضوح حين عرضت الصديقة هايدي (يارا جبران) التبرع بكليتها لريم، رغم اختلاف الديانة، في إشارة ذكية وغير مباشرة إلى أن الألم الإنساني لا يعرف حدودًا دينية أو اجتماعية، وأن الجسد حين ينهار تسقط معه كل التصنيفات الزائفة. قدّم المشهد بوصفه فعلًا إنسانيًا طبيعيًا، لا استعراضًا أخلاقيًا، وهو ما منحه قوته.
وتتكرر الفكرة ذاتها في محاولة الأم (حنان سليمان) التبرع لابنتها، رغم معارضة الزوج ورفضه القاطع.
هنا لا يناقش المسلسل فكرة التبرع فحسب، بل يضع الأمومة في مواجهة الخوف والأنانية والسلطة، ليؤكد أن التضحية الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج، بل إلى شجاعة داخلية صامتة.
ولم يتوقف العمل عند مرض الفشل الكلوي وحده، بل فتح ملفًا شديد الحساسية يتعلق بمعاناة أسر الأطفال ضعاف السمع، خاصة حين تتقاطع الإعاقة مع الفقر.
ربط المسلسل بين المرض والعجز الاجتماعي والضيق المادي في دائرة خانقة، كاشفًا كيف يدفع البعض إلى حافة اليأس في مجتمع لا يوفر شبكة أمان حقيقية للضعفاء.
وفي ذروة الأحداث، يصل المسلسل إلى خلاصته الإنسانية حين يقرر طه التبرع بكليته لريم دون مقابل، رغم زوال السبب لوفاة شقيقه ، وإنقاذًا لحياة من أحب، بعد أن فشلت كل محاولات المساومة، هنا يبلغ العمل ذروته الأخلاقية من دون خطاب مباشر، مؤكدًا أن الجسد لا ينقذ بالمال، بل بالإنسان.
انتهى مسلسل «لا ترد ولا تستبدل»، لكنه لم ينتهِ داخلي، هو عمل لا يشاهَد بسهولة، خاصة لمن عاش تجربة المرض عن قرب، لكنه عمل ضروري وشجاع، لم يتاجر بآلامنا بل احترمها.
ذكّرنا بأن المرض ليس قدرًا طبيًا فحسب، بل اختبار حقيقي لإنسانيتنا، وقدرتنا على العطاء دون انتظار رد… أو استبدال.
