كان – عبدالستار ناجي
يقدم المخرج الروسي أندريه زفياغينتسيف، المقيم حاليًا لاجئًا في فرنسا، صرخة سينمائية مدوية ضد الحرب والفساد الذي ينخر بلاده، عبر فيلمه الجديد «مينوتور»، الذي جاء مشبعًا بلغة سينمائية رفيعة وحس روائي عميق، يتخذ من الحكاية ذريعة لتمرير رؤيته الفكرية والسياسية.
ويستعيد زفياغينتسيف، بشكل غير مباشر، أجواء الفيلم الفرنسي «الزوجة الخائنة» للمخرج كلود شابرول، لكنه يعيد صياغته برؤية إخراجية مختلفة، محمّلة بطبقات من النقد السياسي والاجتماعي، تتمحور حول الفساد في روسيا والتنديد بالحرب الروسية الأوكرانية.
الأسطورة اليونانية حاضرة من جديد
اعتاد زفياغينتسيف في معظم أعماله الاستناد إلى الأساطير اليونانية، كما فعل في فيلم «ليفاثيان»، وهو هنا يواصل النهج ذاته من خلال عنوان الفيلم ودلالاته الرمزية.
ويعد «مينوتور» أول عمل يخرجه زفياغينتسيف بالكامل خارج روسيا، إذ جرى تصويره في لاتفيا ضمن إنتاج مشترك فرنسي ـ ألماني ـ لاتفي، لكنه رغم ذلك يبدو روسيًا حتى أدق تفاصيله، سواء في الروح أو الشخصيات أو المناخ العام.
الفيلم متقن الصنع، ثري بالدلالات والأسرار، ويقدم نقدًا سياسيًا وأخلاقيًا وروحيًا للوضع الراهن في روسيا، دون أن يصرّح بذلك مباشرة، بل عبر طبقات مركبة من السخرية والرموز، تكشف سطوة المصالح والشركات الكبرى وانشغال البلاد بحروب تحيط بحدودها.

الحرب كخلفية تتسلل إلى الواجهة
تدور الأحداث في مدينة روسية مجهولة الاسم، بالتزامن مع بدايات الغزو الروسي لأوكرانيا. في البداية تبدو الحرب مجرد خلفية بعيدة، لكن المخرج يجعلها تتسلل تدريجيًا إلى قلب الحكاية.
نرى قائد شركة الشحن غليب موروزوف (ديمتري مازوروف) يطلب من مسؤولة الموارد البشرية ناتاشا (فارفارا زميكوفا) إغلاق تقرير إخباري يعرض قصف المدن الأوكرانية، ثم تتوالى المشاهد التي تمرر إشارات الحرب: قوافل دبابات، تجهيزات عسكرية، شباب يتم إرسالهم إلى الجبهة، وأمهات يودعن أبناءهن بالبكاء والعويل.
ويصل الأمر إلى تكليف غليب من قبل عمدة المدينة بتقديم أسماء 14 عاملًا لإرسالهم إلى الجيش، في مشهد يحمل سخرية مريرة حول مصير الجنود الذين يتم الدفع بهم إلى الجبهة دون حماية أو تجهيزات كافية.
فريق فني مهاجر ولغة بصرية مدهشة
اعتمد زفياغينتسيف على فريقه الفني المعتاد، ومعظمهم اضطر إلى مغادرة روسيا خلال السنوات الأخيرة، ومن أبرزهم مدير التصوير ميخائيل كريشمان، الذي بات يعمل في السينما الأوروبية والفرنسية.
ويمنح كريشمان الفيلم طابعًا بصريًا شديد الكآبة والبرودة، حيث تتحول المدينة الروسية إلى فضاء خانق يعكس الانهيار الأخلاقي والإنساني الذي يعيشه الجميع.
كما تظهر في الخلفية لوحات دعائية تمجد «الأبطال» الذين سقطوا في الحرب، إلى جانب شخصيات مبتورة الأطراف أو جالسة على كراسٍ متحركة، في تلميحات واضحة إلى الحروب التي خاضتها روسيا خلال العقود الماضية، من الشيشان إلى جورجيا ودونباس.
جريمة قتل تكشف انهيار المجتمع
سرعان ما ينتقل الفيلم إلى الجانب الشخصي من الحكاية، حيث يعيش غليب صراعًا داخليًا مع زوجته غالينا (إيريس ليبيديفا)، التي تبدو غارقة في علاقة عاطفية سرية مع مصور يعيش في حي شعبي داخل مجمع سكني متداعٍ، في إشارة رمزية إلى تفكك العلاقات الإنسانية والاجتماعية.
يشك غليب في الأمر، ويكلف رئيس أمنه بإجراء تحقيق، لتتكشف خيوط العلاقة. بعدها يذهب بنفسه إلى العشيق ويقوم باغتياله، ثم يلقي جثته في النهر.
ورغم محاولات الزوجة البحث عن عشيقها، فإنها تلتزم الصمت عندما تدرك أن زوجها هو المسؤول عن اختفائه، خاصة مع نفوذه وعلاقاته الواسعة، التي تدفع أحد المحققين إلى إغلاق القضية رغم امتلاكه أدلة تدين غليب.
ويعزز الفيلم هذا المعنى حين يتم طمس الجريمة بالتزامن مع تبرعات يقدمها غليب للجيش الروسي، في دلالة مباشرة على تحالف السلطة والمال والفساد.
خاتمة سوداء لما هو قادم
في المشهد الختامي، يسافر غليب وزوجته وابنهما إلى اليونان، وبينما تحلق الطائرة فوق المدينة الروسية المجهولة، يلاحظ الابن سحبًا سوداء كثيفة تغطي السماء.
هنا يطلق الفيلم صرخته الأخيرة: ما هو قادم أكثر سوادًا وقسوة مما سبق. وكأن كل ما شاهدناه من قتل وفساد وحروب عبثية ليس سوى مقدمة لكارثة أكبر تهدد الجميع.
سينما روسية رفيعة المستوى
يؤكد فيلم «مينوتور» مكانة أندريه زفياغينتسيف كواحد من أهم المبدعين الروس المعاصرين، عبر عمل يمتلك لغة سينمائية عالية الجودة، وقدرة نادرة على تحويل الدراما الشخصية إلى مرآة سياسية وأخلاقية لواقع مأزوم، في فيلم يصرخ بوضوح: ما هو قادم أسوأ.
