سينما ما بين وطنين..ارتباك الهوية وقوة الحكي في أفلام الدياسبورا بالأقصرالسينمائي

بقلم : محمد قناوي

ضمن فعاليات مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية في دورته الخامسة عشرة (29 مارس – 4 أبريل)، تبرز مسابقة أفلام الدياسبورا كواحدة من أكثر الأقسام حساسية وعمقًا، إذ لا تتعامل مع السينما بوصفها جغرافيا ثابتة، بل كحالة سيولة بين أوطان متعددة، وهويات متحركة، وتجارب إنسانية معقدة.

هذه المسابقة، بطبيعتها، لا تقدم سينما أفريقية خالصة، بل سينما مشروطة بالاغتراب، حيث يصبح الانتماء سؤالًا مفتوحًا لا إجابة نهائية له،من هنا، تبدو الأفلام المختارة أقرب إلى محاولات فردية لفهم الذات في سياق عالمي، لا مجرد تمثيل للهوية الأصلية.

أربعون يومًا وعيون غانا

فيلم “أربعون يومًا” للمخرج بيتر تكلا، القادم من الولايات المتحدة، يوحي بعنوانه برحلة زمنية/روحية، ربما ترتبط بفكرة التطهير أو التحول، وهي ثيمة شائعة في سينما المهجر حيث يتحول الزمن إلى أداة لإعادة تعريف الذات، وبالمثل، يأتي “عيون غانا” للمخرج بن براودفوت ليطرح سؤال الرؤية: من يرى من؟ هل هي نظرة الخارج إلى أفريقيا، أم محاولة لاستعادة نظرة الداخل من خلال وسيط غربي؟

الشعب الحارس

هذا التوتر يتجلى بوضوح في فيلم “الشعب الحارس” للمخرج سيريل لو تورنير ديسون (بنين/فرنسا)، حيث تتقاطع الهوية الأفريقية مع الإنتاج الأوروبي، ما يفتح بابًا نقديًا حول من يملك حق السرد: هل هي التجربة أم أدوات الإنتاج؟

أما فيلم “أن نحلم، ربما” (تونس–برلين) للمخرج نضال قيقه، فيبدو الأكثر صراحة في طرح ثنائية الانتماء. العنوان ذاته يكشف عن حالة تردد بين الحلم والواقع، بين الوطن الأصلي ومكان الإقامة، وهي ثيمة مركزية في سينما الدياسبورا التي تعيش دائمًا في منطقة بينية.

حدث شيء ما هنا

وفي السياق ذاته، يقدم “حدث شيء ما هنا” للمخرجة تينا تيرفونين قراءة محتملة للواقع الأوروبي من زاوية أفريقية أو مهاجرة، بينما يحمل “الكل بأجمعه” للمخرجة أميناتو إيشار دلالة شمولية توحي بمحاولة احتواء التعدد داخل سردية واحدة.

ما يميز هذه الأفلام هو ميلها الواضح إلى السينما التأملية، حيث تتراجع الحكاية التقليدية لصالح الصورة، والذاكرة، والتجربة الشخصية. لكنها، في الوقت نفسه، تواجه مأزقًا نقديًا: هل تنجح في التعبير عن تجربة أفريقية حقيقية، أم تقع في فخ تغريب الذات لإرضاء ذائقة المهرجانات العالمية؟

سينما تعيش حالة قلق

في المحصلة، تكشف مسابقة الدياسبورا عن سينما تعيش حالة قلق دائم، بين الانتماء والاقتلاع، بين الرغبة في الحفاظ على الجذور والسعي للاندماج، وهي، رغم هذا الارتباك، تقدم واحدة من أكثر التجارب صدقًا وجرأة، لأنها لا تدّعي امتلاك إجابات، بل تكتفي بطرح السؤال الأصعب: أين ينتمي الإنسان حين يصبح الوطن فكرة أكثر منه مكانًا؟