كان – عبدالستار ناجي
في ظل الاجتياح المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، يذهب المخرج الياباني هيروكازو كوريدا بفيلمه الجديد «خروف في الصندوق» إلى منطقة شديدة الحساسية والجدل، متناولًا فكرة «الأبناء الاصطناعيين» بوصفهم محاولة لتعويض الفقد الإنساني واستعادة الأحبة الراحلين عبر التكنولوجيا.
كوريدا، المعروف بحساسيته الإنسانية وقدرته على تفكيك العلاقات العائلية، يضفي في عمله الجديد قدرًا كبيرًا من الرقة والتأمل على شخصياته، بما في ذلك الروبوتات ذاتها، عبر حكاية زوجين يعيشان مأساة فقدان ابنهما، فيقرران اللجوء إلى شركة متخصصة لصناعة نسخة بشرية تعمل بالذكاء الاصطناعي تشبه طفلهما الراحل.
مستقبل قريب وأسئلة أخلاقية
تبدأ أحداث الفيلم في «مستقبل ليس ببعيد»، حيث تحلق طائرة توصيل من دون طيار فوق المدينة، ليس لتوصيل طفل كما توحي الصورة الأولى، بل إعلان لشركة تعرض على الزوجين أوتوني وكينسوكي إمكانية الحصول على بديل اصطناعي لابنهما المتوفى «كايرو».
ومنذ اللحظة الأولى، يضع كوريدا المتلقي أمام سؤال أخلاقي وفلسفي بالغ التعقيد: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يملأ فراغ الفقد الإنساني؟

«كايرو»… طفل يتعلم المشاعر
الطفل الاصطناعي «كايرو» لا يذهب إلى المدرسة، ولا نعرف إن كان سيكبر أو يتطور بيولوجيًا، لكن والديه يحددان له عمرًا عقليًا يبلغ سبع سنوات. ومع مرور الوقت، يتعلم بسرعة لافتة، ويكتسب مهارات والديه؛ من الأم المعمارية يتعلم مبادئ التصميم الحديث، ومن الأب النجار يكتسب عشق الخشب والإصغاء إلى «روح الأشجار» الكامنة في الألياف الخشبية.
ومن خلال هذه التفاصيل، يحاول كوريدا بناء علاقة تكافلية بين الإنسان والآلة، حيث يبدو «كايرو» انعكاسًا نفسيًا وعاطفيًا لرغبات مستخدميه أكثر من كونه كيانًا مستقلًا. الفيلم يطرح فكرة أن الذكاء الاصطناعي لا يبتكر المشاعر، بل يعيد إنتاج احتياجات البشر وضعفهم وحنينهم.
جماليات بصرية وموسيقى شجية
يعتمد الفيلم على موسيقى هادئة بقيادة آلة التشيلو، وصور بصرية شاعرية تهيمن عليها الأشجار والأغصان والضوء الطبيعي، في دلالة واضحة على فكرة «شجرة العائلة» والجذور الممتدة بين الماضي والمستقبل.
كما يربط كوريدا بين العضوي والاصطناعي عبر مشروع معماري تنجزه الأم، يحاول إعادة تشكيل غابة قديمة داخل منزل حديث، وكأن الفيلم يقول إن التكنولوجيا قد تحاكي الطبيعة لكنها لن تصبح الطبيعة ذاتها.
جزيرة الروبوتات المنبوذة
يذهب الفيلم لاحقًا إلى مساحة أكثر قتامة حين يصل «كايرو» إلى جزيرة تعيش فيها روبوتات منبوذة تعرضت للإيذاء وسوء المعاملة، لتتحول تلك الجزيرة إلى ملاذ للهامشيين والمنسيين، تمامًا كما فعل كوريدا سابقًا في أفلامه الشهيرة Shoplifters وNobody Knows، حيث العائلات البديلة والهروب من قسوة المجتمع.

استدعاء لأعمال سابقة
ومن يعرف أعمال كوريدا يدرك أنه سبق أن اقترب من هذه المنطقة في فيلم Air Doll، لكن «خروف في الصندوق» يبدو أكثر انشغالًا بفكرة الحزن الأبوي وتأثير الفقد، وهو ما يجعله في أحيان كثيرة أقرب إلى صدى إنساني لفيلم A.I. Artificial Intelligence للمخرج ستيفن سبيلبرغ، وإن كان يفتقد العمق البصري والدهشة الفلسفية التي ميزت ذلك العمل.
تجربة تستحق التأمل
ورغم القيمة الفكرية والأسئلة المستقبلية التي يطرحها الفيلم، فإن كوريدا لا يقدم هنا إضافة فنية مدهشة بالقدر المتوقع من مخرج بحجمه، سواء على مستوى الشكل أو البناء الدرامي.
ومع ذلك، تبقى التجربة السينمائية جديرة بالتوقف أمامها، ليس فقط بوصفها عملًا فنّيًا، بل باعتبارها محاولة لاستشراف مستقبل قد يصبح فيه الذكاء الاصطناعي شريكًا مباشرًا في تشكيل المشاعر والعلاقات الإنسانية.
