مهرجان كان السينمائي 2026 : فيلم «الأحلى».. السينما المغربية تعزف على مقام المرأة

كان – عبدالستار ناجي

مجدداً تسجل السينما المغربية حضورها ضمن الاختيارات الرسمية لـ مهرجان كان السينمائي، وهو أمر لم يعد مستغرباً في ظل الحراك الذي تعيشه السينما المغربية خلال السنوات الأخيرة، عبر أسماء بارزة مثل نبيل عيوش ، مريم التوزاني ، أسماء المدير وغيرهم من صناع السينما الذين نجحوا في فرض حضورهم عربياً ودولياً.

لكن اللافت أن نسبة كبيرة من الأفلام المغربية المشاركة عالمياً ظلت تعود إلى الإيقاع ذاته، حيث تتحول المرأة غالباً إلى محور أساسي للسرد، بل إلى «سلعة درامية» للتسويق والترويج واستدرار التعاطف.

ليلى مراكشي تعود بعد غياب طويل

وفي فيلم «الأحلى» للمخرجة ليلى مراكشي نذهب مجدداً إلى هذا المحور. وربما تختصر الجملة المحورية التي تنطق بها البطلة كل مضامين الفيلم حين تقول: «نضحّي بأجسادنا… كل ذلك مقابل لا شيء!»

وهو العمل الروائي الطويل الأول لمراكشي منذ أكثر من عقدين، كما صرحت عقب العرض الرسمي للفيلم على مسرح كلود ديبوسي، بحضور المدير الفني للمهرجان تييري فريمو.

من «ماروك» إلى دراما العمال الموسميين

يروي الفيلم قصة العاملات الموسميات المغربيات في جنوب إسبانيا، وما يتعرضن له من استغلال وإهانة وظروف عمل قاسية، في تحول واضح عن أفلام مراكشي السابقة مثل Marock، الذي تناول قصة حب رومانسية بين شابين من ديانتين مختلفتين، أو فيلم Rock the Casbah الذي دارت أحداثه حول اجتماع عائلي نسائي.

أما هنا، فتدخل المخرجة منطقة أكثر قتامة وواقعية، حيث تضع المرأة المغربية المهاجرة في مواجهة الاستغلال الاقتصادي والجسدي معاً.

حسناء .. امرأة تبحث عن الحياة

تقدم نسرين الراضي شخصية «حسناء»، المرأة الهادئة التي تترك طفلها في المغرب وتسافر إلى إسبانيا للعمل في قطف الفراولة، أملاً في جمع المال واستعادة حضانة ابنها بعد أن فقدتها إثر دخولها السجن بتهمة الزنا.

تعمل حسناء إلى جانب صديقتها مريم، التي تؤدي دورها هاجر غرايغا، وسط ظروف عمل قاسية، لكن العلاقات بين العاملات تبدو في البداية مزيجاً من التضامن الهش والأحلام الصغيرة.

غير أن كل شيء يتغير عندما تتعرض مريم لاعتداء جنسي من صاحب العمل الإسباني «إيفان»، لتتحول الحكاية من مجرد معاناة اقتصادية إلى مواجهة أخلاقية وقانونية مفتوحة.

المرأة بوصفها «الثمرة»

العنوان الأصلي للفيلم يحمل دلالات متعددة، بعضها مباشر وبعضها الآخر مفتوح على التأويل. فالعاملات الموسميات يظهرن وكأنهن «ثمار» جاهزة للاستهلاك، ليس فقط داخل الحقول، بل أيضاً في نظرة أصحاب العمل الذين يستغلون حاجتهن القاسية للمال والنجاة.

وهنا يذهب الفيلم إلى معادل رمزي شديد القسوة، يختزل المرأة المغربية المناضلة في صورة الجسد المستباح أو الضحية الجاهزة للتضحية من أجل الأسرة والبقاء.

سرد بسيط… وهوامش كثيرة

يمتاز الفيلم ببناء سردي بسيط وواضح، لكنه يقع أحياناً في فخ التكرار والإفراط في الهوامش والمشاهد المستعادة، دون تكثيف حقيقي للبناء الدرامي أو تطوير كافٍ لبعض الشخصيات.

ورغم تميز أداء الثلاثي نسرين الراضي وهاجر غرايغا وهند، فإن عدداً من الحوارات والمواقف تبدو مألوفة ومكررة من أعمال مغربية سابقة تناولت القضايا ذاتها.

ثلاث مراحل درامية

يمكن تقسيم الفيلم إلى ثلاث مراحل رئيسية: مرحلة الهجرة والوصول إلى إسبانيا، مرحلة الاعتداء والمعاناة الإنسانية، مرحلة المواجهة القانونية والمحاكم.

لكن الفصل الثالث يبدو مرتبكاً ومبتوراً نسبياً، إذ تتسارع الأحداث القانونية بصورة لا تمنح الشخصيات المساحة الكافية للتطور أو التأثير.

حضور إسباني لافت

ومن أبرز عناصر الفيلم حضور الممثلة الإسبانية إيتساسو أرانا في دور المحامية «بيلار»، التي تدافع عن العاملات وتحاول ملاحقة المعتدي قانونياً.

ورغم أن الشخصية تبدو في ظاهرها أقرب إلى «الفارس الأبيض»، فإن مراكشي تلمح بذكاء إلى هشاشة هذا النموذج، خصوصاً حين تبدو المحامية أكثر انخراطاً في القضايا الحقوقية كفكرة عامة، منها في التفاصيل الإنسانية للنساء اللواتي تدافع عنهن.

المرأة بين القضية والترويج

ونخلص إلى أن فيلم «الأحلى» يطرح قضية إنسانية مهمة تتعلق بالهجرة والاستغلال والعنف ضد النساء، لكنه في الوقت ذاته يعيد إنتاج الصورة ذاتها التي كررتها أفلام مغربية عديدة، حيث تصبح المرأة محوراً ترويجياً جاهزاً للعرض في المهرجانات الدولية.

وهنا تكمن الإشكالية الأساسية؛ فبدلاً من تقديم المرأة المغربية بوصفها كائناً فاعلاً ومؤثراً ومتعدد الأبعاد، يجري أحياناً اختزالها في صورة الضحية المستهلكة درامياً.

مراجعات ضرورية

ورغم أهمية النهاية المفتوحة على احتمالات عدة، فإن «الأحلى» يحتاج إلى مراجعات أعمق على مستوى النص المكتوب والبناء البصري، خصوصاً أن القضية التي يطرحها الفيلم أكبر وأكثر تعقيداً من المعالجة التي قدمها.

ويبقى الفيلم محاولة جادة للنقاش، لكنه لا يبتعد كثيراً عن المسارات التقليدية التي اعتادت السينما المغربية تقديمها حين تتناول قضايا المرأة والهجرة والمعاناة الاجتماعية.