ليلى علوي في أسوان..نجمة صنعت حضورها بين النقد والشغف والسينما

بقلم : محمد قناوي

كشفت ندوة تكريم ليلى علوي في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة عن أكثر من كونها لحظة احتفاء بواحدة من أبرز نجمات السينما المصرية؛ فهي في جوهرها قراءة ممتدة لمسار فني طويل يعكس تحولات السينما المصرية نفسها، وتبدلات صورة المرأة داخلها، وعلاقة الفنان بصناعة تتغير باستمرار بين الفن والسوق والجمهور.

تبدو تجربة ليلى علوي، كما روتها في الندوة، مثالًا واضحًا على أن “الصدفة المؤسسة” لعبت دورًا في تشكيل البدايات، لكنها لم تكن وحدها الحاكمة لمسارها، دخولها إلى ماسبيرو وهي طفلة، ثم التحاقها بالتمثيل عبر اختبارات عابرة، يضعها ضمن جيل من الفنانين الذين تشكّل وعيهم المهني مبكرًا داخل مؤسسات الدولة الإعلامية، قبل أن يتحولوا لاحقًا إلى نجوم صناعة السينما.

لكن اللافت هنا ليس البدايات، بل قدرة هذا المسار العفوي على التحول إلى مشروع فني واعٍ، قائم على الاختيار والمراجعة والتعلم المستمر من أسماء كبيرة مثل حسين كمال ويوسف شاهين وعاطف الطيب.

  مدرسة السينما الجادة  وبناء الهوية الفنية

تظهر في شهادتها ملامح واضحة لانتمائها إلى ما يمكن تسميته بـ”مدرسة السينما الجادة” في مصر، تلك التي لم تكن ترى في النجومية مجرد حضور جماهيري، بل مسؤولية فكرية وجمالية، الأسماء التي تعاملت معها ليست مجرد محطات تعاون، بل مدارس متكاملة صاغت أدواتها،
يوسف شاهين في الوعي التعبيري، حسين كمال في لغة العين، وعاطف الطيب في الواقعية الاجتماعية، هذا التراكم يفسر لماذا حافظت ليلى علوي على حضور ممتد، بعيدًا عن النمطية أو التكرار.

الفن كفعل اجتماعي لا كترف

أحد أهم ملامح حديثها يتمثل في إدراكها المبكر لوظيفة السينما الاجتماعية، استدعاؤها لأفلام مثل “المغتصبون” و”إنذار بالطاعة” يضع تجربتها في سياق سينما تدخل في تماس مباشر مع التشريع والوعي العام، وليس فقط مع الترفيه، هذه النقطة تعكس رؤية واضحة، الفنان ليس معزولًا عن المجتمع، بل مشارك في تشكيل وعيه، ولو بشكل غير مباشر عبر الصورة والدراما.

  نقد الذات وتجاوز أسطورة النجمة

من أبرز ما يميز خطابها أيضًا نزع القداسة عن فكرة “النجم”، فهي لا تتحدث عن اختيارات مطلقة، بل عن احتمالات ورفض وقبول، وعن أدوار كانت يمكن أن تذهب لغيرها، هذا الاعتراف يضعها في مساحة ناضجة من الوعي المهني، حيث لا تبنى القيمة على احتكار الأدوار، بل على القدرة على الاستمرار والتجدد، وهو ما أكد عليه أيضًا حديث المخرجين والنقاد المشاركين في الندوة.

العلاقة مع النقد .. من التوتر إلى التعلم

العلاقة مع النقد في خطاب ليلى علوي تبدو علاقة تعلم لا صراع، استدعاؤها لأسماء نقدية كبيرة وسفرها لحضور مهرجانات بدافع التعلم يعكس تحولًا مهمًا، من اعتبار النقد سلطة خارجية إلى اعتباره جزءًا من عملية التكوين الفني، وهنا تتجلى نقطة مركزية في تجربتها، النضج لا يأتي فقط من التمثيل، بل من القدرة على الإصغاء وإعادة قراءة الذات باستمرار.

  صورة النجمة “غير المتعالية”

شهادات زملائها مثل باسم سمرة ومجدي أحمد علي ترسم صورة متسقة، نجمة لم تنغلق داخل هالة النجومية، بل حافظت على حضور مهني منضبط، يجمع بين “النجمة الجماهيرية” و”الفنانة الحاضرة في التفاصيل”، هذه الثنائية ربما تفسر استمراريتها في المشهد حتى اليوم، في وقت تتغير فيه خريطة النجومية بسرعة.

تكريم ليلى علوي في أسوان لا يبدو مجرد احتفاء بمسيرة فردية، بل هو إعادة قراءة لجيل كامل من السينما المصرية، جيل كان فيه الفن مرتبطًا بالوعي، والنجم مرتبطًا بالمشروع، لا بالنجاح اللحظي، لذا تبدو تجربتها نموذجًا لفنانة استطاعت أن تبقى داخل دائرة الضوء، دون أن تفقد علاقتها بالتعلم أو النقد أو التحول، وهو ما يمنح مسيرتها قيمتها الأعمق خارج حدود الأدوار والأفلام.