بقلم : محمد قناوي
في لحظة يشهد فيها العالم تحولات جذرية في صناعة السينما، يواصل مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية سعيه لترسيخ دوره كمنصة حوارية تتجاوز مجرد عرض الأفلام إلى مناقشة مستقبل الصناعة نفسها، وذلك من خلال تنظيم الملتقى الثاني لصنّاع المهرجانات ضمن فعاليات دورته الخامسة عشرة التي تقام في مدينة الأقصر خلال الفترة من 29 مارس إلى 4 أبريل.
الملتقى لا يأتي كفعالية تنظيمية عابرة، بل كمساحة فكرية تجمع عددًا من أهم مديري وصنّاع المهرجانات السينمائية في أفريقيا والعالم العربي، في محاولة لبناء شبكة تعاون حقيقية بين هذه المنصات الثقافية. وتشمل قائمة المشاركين ممثلين عن مهرجانات بارزة مثل مهرجان فيسباكو في بوركينا فاسو، ومهرجان قرطاج السينمائي في تونس، ومهرجان خريبكة للسينما الأفريقية في المغرب، إلى جانب مهرجانات جنوب أفريقيا مثل مهرجان ديربان السينمائي الدولي، فضلًا عن حضور عربي ومصري من خلال مهرجان الجونة السينمائي ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية للفيلم القصير ومهرجان بورسعيد السينمائي، إضافة إلى ممثل عن قناة الجزيرة الوثائقية.
التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي
ويؤكد السيناريست سيد فؤاد، رئيس المهرجان، أن هذه النسخة من الملتقى تأتي في سياق لحظة مفصلية تمر بها صناعة السينما عالميًا، حيث أصبحت التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي عنصرين مؤثرين في مراحل الإنتاج والتوزيع والبرمجة داخل المهرجانات. لذلك يسعى الملتقى إلى فتح نقاش واسع حول كيفية تعامل المهرجانات الأفريقية مع هذه التحولات، خاصة في ظل تحديات التمويل وتغير أنماط مشاهدة الأفلام.
من جانبها ترى المخرجة عزة الحسيني، مدير المهرجان ومدير الملتقى، أن القضية لم تعد مجرد تطوير أدوات العرض أو البرمجة، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أعمق يتعلق بهوية الإبداع نفسه. فمع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مجال صناعة الأفلام، يطرح السؤال الجوهري: لمن ينسب الإبداع الحقيقي؟ هل هو للمخرج صاحب الرؤية، أم لفريق العمل، أم للتكنولوجيا والبرامج التي أصبحت قادرة على إنتاج الصور والأفكار؟
هذا النقاش يفتح بابًا واسعًا للتأمل في مستقبل السينما، خصوصًا في أفريقيا التي تسعى إلى بناء صوتها البصري الخاص بعيدًا عن هيمنة النماذج الإنتاجية الكبرى. فالخطر الحقيقي، كما يشير القائمون على الملتقى، لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في احتمال أن تؤدي إلى تآكل الخصوصية الإنسانية للفن إذا تحولت إلى بديل كامل عن الحس الإبداعي الفردي.
تأثير المنصات الرقمية وخدمات البث عبر الإنترنت
كما يناقش الملتقى تأثير المنصات الرقمية وخدمات البث عبر الإنترنت على دور المهرجانات السينمائية. فبعد أن كانت المهرجانات هي البوابة الأساسية لاكتشاف الأفلام المستقلة، أصبحت هذه الأفلام تجد طريقها أحيانًا مباشرة إلى المنصات، وهو ما يفرض على المهرجانات إعادة التفكير في طبيعة دورها: هل تظل مجرد منصة عرض، أم تتحول إلى فضاء للنقاش والتفكير وصناعة الاتجاهات السينمائية؟
بهذا المعنى، يحاول الملتقى الثاني لصُنّاع المهرجانات أن يتحول إلى مختبر فكري يعيد طرح الأسئلة الكبرى حول مستقبل السينما الأفريقية: كيف يمكن للمهرجانات أن تحافظ على دورها الثقافي في عصر المنصات؟ وكيف يمكن حماية الهوية الإبداعية للفيلم الأفريقي في ظل تسارع الثورة الرقمية؟
يذكر أن مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية تنظمه مؤسسة شباب الفنانين المستقلين، برئاسة شرفية للفنان محمود حميدة، بينما يرأس اللجنة العليا المنتج جابي خوري.
ويتم إقامة قام المهرجان تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية وبدعم عدد من الجهات من بينها هيئة تنشيط السياحة ووزارة الخارجية المصرية ووزارة الشباب والرياضة المصرية ونقابة المهن السينمائية، إلى جانب دعم من البنك التجاري الدولي CIB وأوراسكوم ومؤسسة كيميت للسلام والمعرفة.
وبينما تتجه صناعة السينما عالميًا نحو إعادة تعريف أدواتها وأساليب إنتاجها، يبدو أن هذا الملتقى يحاول أن يضع المهرجانات الأفريقية في قلب هذا الحوار، لا كمجرد متلقٍ للتغيرات، بل كشريك فاعل في صياغة مستقبل السينما في الجنوب العالمي.
