لم يحالفني الحظ في مشاهدة العرض المسرحي التونسي «الهاربات» عندما شارك في الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي التي أقيمت بالقاهرة في يناير الماضي، حيث حصد جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي عربي، ونال وقتها إشادات واسعة، لذلك كنت أكثر حرصًا على مشاهدة العرض عندما التقيته أخيرًا في مهرجان ظفار الدولي للمسرح في دورته الثانية، مشاركًا ضمن مسابقة «عروض النخبة».
دخلت مسرح أوبار بظفار وفي ذهني كل ما قرأته عن التجربة، لكن ما إن بدأ العرض وتوالت مشاهده الأولى حتى حدث أمر آخر؛ فقد وجدت نفسي أستدعي من الذاكرة تجربة مسرحية مصرية بعيدة زمنيًا، وإن اختلفت تمامًا في أدواتها ورؤيتها، هي «سكة السلامة» للراحل سعد الدين وهبة.
لم يكن التشابه في التفاصيل، ولا في الحكاية، وإنما في ذلك السؤال الإنساني الكامن خلف مجموعة من البشر المحاصرين بالخوف والانتظار والأخطاء والذنوب والرغبة في الخلاص.
من «سكة السلامة» إلى «الهاربات»
«سكة السلامة» التي كتبها سعد الدين وهبة قبل أكثر من ستة عقود، وقدمها سعد أردش عام 1964، بمشاركة سميحة أيوب وتوفيق الدقن وشفيق نور الدين وعبد المنعم إبراهيم وآخرين، ثم أعاد محمد صبحي تقديمها برؤية عصرية في «سكة السلامة 2000»، كانت تنطلق هي الأخرى من رحلة جماعية تتحول تدريجيًا إلى مواجهة مع الذات والمصير.
وقد شاهدت «سكة السلامة» في نسختها التلفزيونية، في زمن لم أكن قد ولدت فيه أصلًا، ولذلك لم تكن المقارنة نابعة من ذاكرة مشاهدة مسرحية مباشرة، وإنما من أثر بقي في الذاكرة الفنية، والأهم أن هذه المقارنة لم تجعلني أبحث عن التطابق بين العملين، وإنما دفعتني إلى السؤال عن كيف يمكن للفكرة الإنسانية الواحدة أن تولد في مسرحين مختلفين، وفي زمنين مختلفين، وبأدوات جمالية متباينة؟، وهنا تحديدًا تبدأ مغامرة «الهاربات».

المحطة ليست مكانًا.. إنها حالة انتظار
العرض التونسي، من تأليف وسينوغرافيا وإخراج وفاء الطبوبي، لا يقدم لنا رحلة بالمعنى التقليدي، ولا يضع أمامنا شخصيات تنتظر فقط وسيلة تنقلها من مكان إلى آخر، إنه يقلب معنى الانتظار نفسه؛ فالمحطة تتحول من مكان عبور إلى مكان انكشاف، والحافلة الغائبة تصبح شيئًا شبيهًا بالحياة المؤجلة، بينما يتحول انتظار الوصول إلى مواجهة مع أسباب البقاء في المكان.
ست شخصيات ـ خمس نساء ورجل واحد ـ تلتقي في فضاء محطة مواصلات عمومية، لكن كل شخصية تحمل محطتها الخاصة. أستاذة غير موظفة رسميًا تبحث عن الاعتراف، وخريجة حقوق تنتظر فرصة تحقق حلمها، وامرأة تحاول الإفلات من زواج خانق، وأخرى تجمع قوارير البلاستيك لتوفر لقمة العيش، وامرأة مسنة يطاردها التهميش، ورجل مثقل بمرارة الخيبات، لا يجمع هؤلاء المكان وحده، وإنما يجمعهم شيء أعمق، العجز عن الانتقال.

الهروب من المكان أم من الذات؟
ومن هنا يصبح عنوان «الهاربات» أكثر التباسًا وإثارة؛ فالشخصيات تبدو راغبة في الهروب، لكنها في الوقت نفسه عاجزة عن تحديد الوجهة، إنها لا تهرب من مكان إلى مكان بقدر ما تحاول الهروب من صورة فرضها عليها الآخرون، ومن ماضٍ لا يتوقف عن مطاردتها، ومن حاضر يستهلكها، ومن مستقبل لا تعرف إن كان ينتظرها أصلًا، وحين تتأخر الحافلة، ثم تقرر إحدى الشخصيات ألا تنتظر أكثر وأن تواصل طريقها سيرًا، لا يكون ذلك مجرد فعل درامي لتحريك الأحداث، وإنما لحظة يتغير فيها المعنى كله، من ينتظر وسيلة للخلاص قد يكتشف في لحظة ما أن عليه أن يصنع طريقه بنفسه، وهذه من أذكى مناطق العرض.
الحكي بديلًا عن الفعل
وفاء الطبوبي لا تسير بالحكاية وفق خط درامي مستقيم، وإنما تفككها إلى أصوات وذكريات ومونولوجات وتقاطعات زمنية، الشخصيات لا تحكي كي تقدم المعلومات للمشاهد فقط، وإنما تستخدم الحكي للدفاع عن نفسها، وتبرير خياراتها، واستعادة ما فقدته، وربما لإقناع ذاتها قبل إقناع الآخرين بأنها ما زالت قادرة على الاستمرار.
لكن هذا الاختيار نفسه يمثل أحد مكامن قوة العرض وأحد مصادر تعثره في الوقت ذاته، فحين يتقدم الفعل المسرحي، يصبح «الهاربات» مشحونًا بالطاقة، وحين تستولي الحكاية على مساحة أكبر من الخشبة، يهبط الإيقاع أحيانًا، ويصبح بعض السرد أكثر مباشرة مما تحتاجه التجربة، وفي عرض يجعل من الانتظار موضوعه الأساسي، فإن بطء بعض المقاطع لا يمكن اعتباره مسألة إيقاعية محضة، لأنه يلامس جوهر التجربة نفسها.

خشبة بلا ديكور.. والجسد يرسم المكان
ومع ذلك، فإن الطبوبي تمتلك وعيًا واضحًا بأن المسرح لا يكتب بالكلمات وحدها.. الفضاء العاري من الديكور يتحول إلى مساحة اختبار للممثلين، ويصبح الجسد هو الذي يرسم المحطة، ويحدد الحدود، ويصنع المسافات، حركة الممثلات، تجمعهن وتفرقهن، الاقتراب والابتعاد، السكون والانفجار، كلها تتحول إلى لغة موازية للنص، وهنا لا تبدو السينوغرافيا فقيرة، وإنما مجردة؛ فالفراغ ليس غيابًا للديكور، بل هو انعكاس للخواء الذي تعيشه الشخصيات، لا شيء ثابت على الخشبة لأن لا شيء ثابت داخلها، وتزداد قيمة هذا الاختيار مع اعتماد العرض على الأداء الجماعي، ففاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصبرين عمر، وأسامة الحنايني، لا يعملون باعتبارهم ستة خطوط منفصلة، وإنما كنسيج أدائي تتقاطع داخله الحالات والانفعالات.
ستة أجساد.. ونبض مسرحي واحد
وتبرز فاطمة بن سعيدان خصوصًا بقدرتها على الانتقال بين مناطق متباينة من الشخصية، من الثقل الداخلي إلى خفة الظل، ومن التعبير المباشر إلى التفاصيل الصغيرة، من دون أن تفقد حضورها داخل المجموعة، أما الرجل الوحيد في هذا العالم النسائي، فلا يبدو مجرد شخصية ذكورية تقابل الشخصيات النسائية، بقدر ما يتحول حضوره إلى أثر من آثار العالم الذي تحاول هذه الشخصيات الإفلات منه؛ سلطة أو خيبة أو ذاكرة أو علاقة تركت ندبة ولم تعد بحاجة إلى حضور مباشر كي تستمر.

قوة العرض في مغامرته.. وتعثره في إيقاعه
لذلك فإن «الهاربات» لا تقول إن الهروب هو الحل، وهذه نقطة مهمة في قراءة العرضـ فالخروج من المحطة لا يعني الوصول، والمشي لا يعني امتلاك الطريق، وكسر الانتظار لا يعني بالضرورة النجاة، وهنا تفترق «الهاربات» عن مجرد حكاية جماعية عن نساء يعانين؛ إنها تضع المتفرج أمام سؤال أكثر قسوة، هل نهرب فعلًا من واقعنا، أم أننا نحمل هذا الواقع معنا أينما ذهبنا؟، ربما لهذا لا تكون الحافلة هي الغائب الحقيقي في العرض، الغائب الحقيقي هو اليقين بأن هناك طريقًا جاهزًا للخلاص، ومن هذه النقطة يمكن فهم اختيار المحطة باعتبارها قلب التجربة؛ فالمحطة مكان مؤقت بطبيعته، لا أحد يفترض أن يعيش فيه، ومع ذلك تجد الشخصيات نفسها عالقة داخله، إنها صورة مكثفة لإنسان يعيش منذ سنوات في منطقة «مؤقتة» تحولت، دون أن يشعر، إلى حياته الدائمة.
مسرحية عن الانتظار أكثر من الهروب
وهنا تصبح «الهاربات» مسرحية عن الانتظار أكثر مما هي مسرحية عن الهروب، انتظار الاعتراف، انتظار الفرصة، انتظار الحب، انتظار العدالة، انتظار الخلاص.. ثم اكتشاف أن الانتظار الطويل قد يتحول هو نفسه إلى شكل آخر من أشكال السجن.
وفي النهاية، لا تقدم وفاء الطبوبي إجابة جاهزة، ولا تمنح شخصياتها مخرجًا مضمونًا، تتركها في المسافة الفاصلة بين الرغبة في النجاة والخوف من المجهول، وهي المسافة ذاتها التي يتحرك فيها الإنسان عندما يقرر للمرة الأولى أن يترك المكان الذي اعتاد أن يشكو منه، وهنا تكمن القيمة الحقيقية للتجربة، ليست في أن «الهاربات» اكتشفت موضوعًا لم يطرقه المسرح من قبل، وإنما في أنها أعادت النظر إلى موضوع مألوف ـ الخوف والانتظار والرغبة في الخلاص ـ من خلال جسد جماعي نسائي، وفضاء مجرد، وزمن مسرحي يتداخل فيه الحاضر مع الذاكرة.
