خالد الجابر يوظف موروث صندوق العروس لفتح ملفات الهوية والاغتراب والعنصرية.. والحقيقة تقود البطل إلى التمرد على إرث الماضي
حصدت المسرحية القطرية «الصندوق المبيّت»، للكاتب المسرحي والروائي الدكتور خالد الجابر، جائزة شريف بدر الدين لأفضل مؤلف، ضمن مسابقة المونودراما بالدورة الحادية عشرة من مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، في تتويج جديد للكتابة المسرحية القطرية، يعزز حضورها في المهرجانات العربية والدولية.
ويأتي هذا الفوز امتدادًا لمسيرة الجابر المسرحية، التي شهدت نجاحًا سابقًا من خلال مسرحيته «ماسح الأحذية»، التي شاركت في مهرجانات عربية ودولية وحصدت عددًا من الجوائز.
صندوق العروس.. من ذاكرة التراث إلى أسرار العائلة
يستمد عنوان «الصندوق المبيّت» دلالته من الموروث الشعبي الخليجي، حيث يطلق المصطلح على صندوق العرس الذي يصاحب العروس إلى بيت زوجها، ويضم مقتنياتها الشخصية وحاجياتها الثمينة، وقد تتوارثه العائلة عبر الأجيال.
لكن المؤلف يتجاوز الوظيفة التراثية للصندوق، ليحوله إلى خزانة للذكريات ومستودع للأسرار العائلية، تختبئ داخله حكايات الماضي وأوجاعه وحقائقه المسكوت عنها، فيصبح عنصرًا محوريًا في الصراع الدرامي، ورمزًا لذاكرة لا يمكن الهروب من مواجهتها.
المونودراما.. مواجهة قاسية مع الهوية والماضي
تتناول المسرحية قضايا الهوية والاغتراب والعنصرية والتمييز الاجتماعي، من خلال حكاية إنسان يكتشف أن تاريخ عائلته يخفي حقيقة أكثر قسوة مما تصور، وأن الاسم الذي حمله طوال حياته ليس مجرد علامة على الانتماء، بل امتداد لتاريخ من القهر والاستغلال والصمت.
ومن خلال هذه الحكاية الفردية، يطرح خالد الجابر أسئلة أوسع حول علاقة الإنسان بأصوله، وحدود مسؤوليته عن أخطاء الأجيال السابقة، وقدرته على التحرر من الأحكام الاجتماعية التي تفرض عليه هوية لم يخترها.
ويعتمد النص على بناء مونودرامي يتصاعد عبر أربعة فصول، يتحول خلالها الصندوق، بعد فتحه، إلى ما يشبه «صندوق باندورا» في الأساطير اليونانية؛ إذ تتفجر من داخله أسرار الماضي وحقائقه المؤلمة، لتضع البطل أمام مواجهة مباشرة مع تاريخه وذاته.
وتكمن المفارقة الدرامية في أن كشف الأسرار، رغم ما يحمله من صدمات وآلام، يصبح بداية للتحرر من الخوف والصمت، في انتقال من أسر الماضي إلى محاولة استعادة الذات.
ويقوم البناء على شخصية رئيسية واحدة، تتفاعل مع ظلال الأب والأم، بينما تتسع مساحة الفضاء المسرحي المحدود عبر الإضاءة والأصوات والموسيقى وحركة الجسد. وتؤدي اللغة الشعرية دورًا أساسيًا في تشكيل الصراع، من خلال تداخل الاعترافات الشخصية مع الأسئلة الوجودية، وتحول الوثائق والأسماء والمقتنيات القديمة إلى شواهد تكشف التناقض بين الصورة الاجتماعية المعلنة والحقائق المخفية.
إحراق الصندوق.. إعلان التمرد على إرث الصمت
تبلغ المسرحية ذروتها في فصلها الأخير، عندما يحرق الصندوق بما يحتويه من أسرار ووثائق، في مشهد رمزي يتجاوز فكرة الانتقام من الماضي إلى الرغبة في التحرر من سلطته.
وأمام ألسنة اللهب، يرفض الابن توريث أبنائه تاريخًا من الخوف والصمت، معلنًا أن مستقبله لن تحدده أخطاء الأب ولا أحكام المجتمع، لتنتهي المواجهة بعبارة مكثفة تختصر جوهر العمل: «أنا… ابن نفسي».
ويمثل فوز «الصندوق المبيّت» إضافة إلى حضور الكتابة المسرحية القطرية والخليجية في المشهد العربي، كما يعكس قدرة المونودراما على طرح قضايا إنسانية واجتماعية عميقة، من خلال شخصية واحدة، حين يمتلك النص رؤية فكرية وبناءً دراميًا قادرًا على تحويل الحكاية الفردية إلى سؤال إنساني يتجاوز حدود المكان والزمان.
