محمد قناوي يكتب:
ليس أصعب على الإنسان من أن يكون حاضراً ولا يراه أحد، وأن يعيش بين الآخرين دون أن يجد طريقاً حقيقياً للتواصل معهم، هذه المفارقة الوجودية يضعها العرض السعودي «لا أحد» لفرقة «فن بوكس» في قلب تجربته المسرحية، فاتحاً مساحة للتأمل في العزلة الإنسانية وتفكك العلاقات وفقدان الهوية.
واختيار العرض لافتتاح الدورة الحادية عشرة من مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، والمشاركة في مسابقة العروض الكبرى، يمنحه أهمية إضافية؛ باعتباره أول اختبار فني يتلقاه جمهور المهرجان، وفرصة لقراءة ملامح التجربة المسرحية السعودية من خلال عمل يراهن على الصورة والرمز بقدر اعتماده على الأداء.
البازل.. صورة لعالم فقد اكتماله
تبدو الرؤية البصرية أبرز مفاتيح قراءة «لا أحد»، فالديكور لا يكتفي بتشكيل خلفية للحدث، وإنما يقدم تكويناً تشكيلياً يقوم على التفكك وعدم الاكتمال، قطع بازل هندسية ضخمة تحتل خلفية المسرح في تكوينين منفصلين، تتخللهما فراغات ومربعات مفتوحة، بينما تتناثر قطع أخرى على أرضية الخشبة، هذا الاختيار يفتح دلالة واضحة على عالم تتبعثر أجزاؤه، وعلاقات إنسانية فقدت قدرتها على الالتئام، فالبازل لعبة لا تكتمل صورتها إلا بتجمع أجزائها، لكن حضور قطعه منفصلة، مع المسافة الفاصلة بين التكوينين الكبيرين، يحولها إلى استعارة بصرية عن الانقسام والاغتراب، وعن شخصيات تبحث عن صورة مكتملة لذاتها دون أن تجد بالضرورة طريق الوصول إليها.
أما العنصر الأكثر إثارة في التكوين فهو وجود مانيكان لرجل وآخر لامرأة في منتصف الخشبة، تقف الأخيرة بوجه تخفيه خصلات شعرها الطويل، في مقابل الزوجين بطلي العرض، اللذين يظهران في مقدمة المسرح، هنا تتشكل مواجهة بصرية بين أجساد حية تتحرك وتنطق، وأجساد جامدة بلا ملامح واضحة، تطرح تساؤلات عن الهوية والجمود وفقدان القدرة على التعبير.

ويزداد هذا التكوين دلالة مع التباين اللوني؛ فالمرأة ترتدي الأحمر وسط سيطرة الرمادي والأبيض والأسود، بينما يرتدي المانيكان الرجل ملابس رمادية، الأحمر هنا نقطة جذب بصرية تكسر برودة المشهد، ويمكن قراءته بوصفه إشارة إلى الحياة أو الرغبة أو الألم، في مواجهة عالم يبدو منزوع الدفء والحركة، بهذا التكوين، لا يصبح الديكور مجرد إطار للأحداث، بل لغة موازية تتحدث عن الإنسان حين تتفكك صورته، وعن العلاقات حين تفقد توازنها، وتظل القيمة المسرحية لهذه المفردات مرتبطة بمدى تفاعلها مع حركة الممثلين وتطور الصراع، حتى لا تتحول الرموز إلى تشكيلات جميلة منفصلة عن الفعل الدرامي.
الزوجان.. اختبار الأداء والصمت
في قلب هذا العالم يتحرك الزوجان، اللذان يؤدي دوريهما كميل العلي وفاطمة الجشي، داخل فضاء محدود تحاصره الكتل الهندسية والرموز البصرية، وهو ما يمنح الأداء أهمية خاصة، حيث تصبح حركة الجسد ونظرات الممثلين والمسافات بينهما والصمت، أدوات أساسية في التعبير عن طبيعة العلاقة وما يعتريها من توتر وانفصال.
وعلى مستوى الإخراج، واجه فهد الدوسري تحدي تحقيق التوازن بين الغموض والوضوح؛ فالمساحة المفتوحة للتأويل تمنح العمل ثراءً، لكنها تحتاج إلى مسار درامي يسمح للمتلقي بمتابعة التحولات والإمساك بالخيط الإنساني الذي يجمع عناصر العرض.
وتتكامل هذه الرؤية مع السينوغرافيا التي يشارك في تصميمها فيصل العبيد، والديكورات التي أعدها مختار سعد، والإضاءة التي ينفذها حمد المويجد، والموسيقى والمؤثرات التي وضعها أحمد العلي؛ وهي عناصر تتجاوز وظيفتها التقنية حين تتحول إلى أدوات تعزز الحالة النفسية وتدعم إيقاع المشهد.

حين يصبح الإنسان مجرد صورة
في النهاية، يطرح «لا أحد» أسئلة تتجاوز حكاية زوجين أو مجموعة من الرموز البصرية: ماذا يحدث للإنسان حين يفقد القدرة على التواصل؟ وهل يمكن أن يتحول وجوده إلى مجرد صورة بلا ملامح، أو إلى قطعة منفصلة داخل عالم عاجز عن الاكتمال؟، تلك هي المساحة التي يفتحها العرض بين البازل المتناثر والمانيكان الجامد والشخصيات الحية؛ مساحة تتقاطع فيها الوحدة مع فقدان الهوية، والوجود مع الغياب، وقد تكاملت هذه اللغة البصرية مع الأداء والبناء الدرامي، لتصبح الصورة جزءاً من الحكاية لا بديلاً عنها، فالقضية ليست أن نرى على الخشبة «لا أحد»، بل أن نكتشف كيف يمكن للإنسان أن يفقد حضوره، حتى وهو يقف أمام أعين الجميع.

