مهرجان كان السينمائي 2026: الإسباني بيدرو ألمودوفار في «عيد الميلاد المرير».. الألم بالألوان

كان – عبدالستار ناجي

حينما يحضر المخرج الإسباني ،بيدرو ألمودوفار تحضر إسبانيا بشمسها وألوانها الباهية المشرقة. لكنه هنا يستحضر الألم والمرارة بكل درجاتها اللونية، مع شخصيات تتحرك أمامنا وتعيش معنا، وأيضًا مع بدائلها داخل سيناريو قيد الكتابة والتحضير.

فيلم «عيد الميلاد المرير» ليس مجرد عمل سينمائي، بل درس متكامل في فن السينما من مخرج كبير يعي أدواته جيدًا ويفهم أبعادها، ويشتغل بعشق لا تحدّه حدود تجاه الفن السابع. فمنذ بدايته عام 1985 عبر فيلم «ماذا فعلتُ كي أستحق كل هذا؟» وحتى اليوم، قدّم ما يقارب عشرين فيلمًا، بمعدل فيلم كل عامين تقريبًا، وظلّ في كل مرة يشغل العالم بأسلوبه الخاص وبصمته المتفردة.

الفيلم مزدحم بالشخصيات والأحداث والكلمات، وأيضًا بالكلام الذي سرعان ما يتلاشى من الذاكرة، رغم تلك اللغة الهندسية الدقيقة التي يشتغل بها ألمودوفار على تصميم المشاهد والإضاءة واللغة البصرية وقدرته الفائقة على توظيف اللون.

حكايات متداخلة وسينما داخل السينما

يأخذنا ألمودوفار إلى حكاية مخرجة أفلام تنقل إلى المستشفى لفترة وجيزة، ليتعرّف عليها الطبيب المعالج بوصفها مخرجة فيلم غير تقليدي من سنوات مضت، في إشارة ذكية إلى أعمال ألمودوفار الأكثر شعبية في إسبانيا.

ويعد «عيد ميلاد مرير» تأملًا متقنًا ومتعدد الطبقات في الحرية الإبداعية وملكية الحكاية، وكيف يحاكي الفن الحياة، ثم تعود الحياة لتحاكي الفن، وهو فيلم يحمل بصمة ألمودوفار الكاملة؛ حيث تتداخل الحكايات كما في معظم أفلامه، بإيقاع دائري متسارع يجعل المشاهد يلهث بحثًا عن خيوط التلاقي بين الشخصيات.

وفي الوقت ذاته يعتمد ألمودوفار على كوكبة من نجوم أجيال السينما الإسبانية، عبر أداء مفعم بالحيوية والنشاط، وتصميم بصري يشبه علبة ألوان زاهية، وسرد مزدوج غني بالنصوص الميتافيزيقية عن فنانين يطاردون شغفهم، أحيانًا بنتائج وخيمة، وسط علاقات حب وفراق وانفصال وبحث دائم عن الذات، مع إشارات واضحة إلى التعدي على حقوق الملكية الفكرية.

زحام الحكايات .. ومتعته

في الفيلم كمّ هائل من الحكايات، بدءًا من المخرجة المريضة، مرورًا بإلسا التي تشعر بدافع قوي للعودة إلى كتابة السيناريوهات، مستلهمةً ذلك من مآسي صديقتيها: باتريشيا التي تحاول الخروج من زواج فاشل، وناتاليا الأم الشابة التي فقدت زوجها مؤخرًا، وإذا بدت هذه الشخصيات وعلاقاتها غير مكتملة أو كما لو كانت في مسودتها الأولى، فإن ذلك مقصود تمامًا ضمن البناء الدرامي للفيلم.

وتدور حكاية إلسا، التي تقع أحداثها عام 2004، حول سيناريو غير مكتمل يكتبه المخرج راؤول روسيتي، الفنان المرموق ذو الملامح القريبة من ملامح ألمودوفار نفسه، والذي يعاني من ركود إبداعي حاد، وبعد تعثر مشروعه الأخير، يلجأ إلى كتابة سيرة ذاتية متخيلة، مستلهمًا خيوطًا درامية من حياة مساعدته وصديقته مونيكا دون إذن منها.

وهكذا تتوالد الحكايات وتتزاحم الشخصيات إلى حد يدفع المشاهد للتساؤل: لماذا كل هذا الزحام؟ وإلى أين يمكن أن تنتهي كل هذه المتاهات؟

هندسة اللون .. البطل الحقيقي

لكن بعيدًا عن الحكايات والمتاهات، نتوقف طويلًا أمام هندسة ألمودوفار البصرية، فهذه التحف البنائية المصممة لكل مشهد وموقع تصوير بعناية شديدة تبدو مقنعة في حد ذاتها، باعتبارها التعبير الأكثر وضوحًا عن تفرد هذا المخرج الكبير وبصمته الخاصة.

وبعد نهاية الفيلم تختفي الشخصيات والأحداث والكلمات التي لا تنتهي، بينما تبقى الألوان الزاهية التي قدّمها بيدرو ألمودوفار شاخصة في الذاكرة، وهكذا هي سينما هذا الإسباني الذي يستلهم عالمه السينمائي من فتنة الألوان في بلاده، ويحوّل الألم نفسه إلى لوحة نابضة بالحياة.