مهرجان كان السينمائي 2026: «البارحة العين ما نامت»..المرأة في مواجهة الهيمنة الذكورية

كان – عبدالستار ناجي

ضمن عروض تظاهرة مهرجان كان السينمائي 2026، وتحديدًا في قسم «نظرة ما»، قدّم المخرج الفلسطيني راكان مياسي فيلمه الروائي الأول «البارحة العين ما نامت»، في معالجة محكمة ومنجز بصري عالي الجودة، يذهب بعيدًا في تفكيك سطوة المجتمع الذكوري على المرأة، وتحويلها إلى كائن مسلوب الإرادة، يدفع ثمن أخطاء الآخرين ويجبر على الانصياع لأوامر القبيلة والعائلة.

الفيلم، الذي كتب قصته راكان مياسي بالتعاون مع وحيد عجمي، وصوّره مدير التصوير اللبناني بول سيف، يقدّم تجربة سينمائية تعتمد على الصورة بوصفها لغة أساسية، حيث تتحول الكاميرا إلى عين هادئة تراقب تفاصيل الحياة اليومية وتغوص تدريجيًا في عمق المأساة الإنسانية.

افتتاحية مشتعلة تقود إلى المأساة

تدور الأحداث في إحدى القرى البدوية في جنوب لبنان، وتحديدًا في منطقة البقاع، حيث يبدأ الفيلم بمشهد افتتاحي شديد الإحكام: شاحنة صغيرة تشتعل فيها النيران، فيما تتحرك الكاميرا ببطء وثقة، لتدفع المشاهد إلى قلب الحدث منذ اللحظة الأولى. ومن هنا تبدأ رحلة البحث عن فتاة اتُّهمت بحرق الشاحنة انتقامًا من شاب أحبته وتزوج بأخرى.

لكن الحدث الأهم يأتي مع وقوع حادث مروري يودي بحياة شاب من قرية مجاورة، لتبدأ أعراف القبيلة في فرض أحكامها القاسية، يطالب شيوخ العشيرة بتسليم القاتل أو أحد أفراد أسرته للثأر، ما يدفع الأب إلى الهرب مع زوجته وأطفاله، بينما تتوجه الشقيقتان ريم وجواهر إلى شيخ القبيلة الأخرى طلبًا لتخفيف الحكم عن شقيقهما ياسر.

المرأة بوصفها ضحية للتسويات القبلية

يصدر القرار بأن تتزوج إحدى الفتاتين من رجل من القرية الأخرى كنوع من التسوية القبلية، فتقع التضحية على جواهر، الممرضة الشابة التي تجد نفسها مجبرة على التخلي عن مستقبلها. أما ريم، وبعد السماح لها بالعودة، فتبدأ التفكير في الهروب من هذا الجحيم المغلق، حيث السلطة الذكورية تحاصرها من كل اتجاه: الأب، والأخ الأكبر، والعشيرة، وحتى المجتمع بأسره.

ينشغل الفيلم بتفاصيل الحياة البدوية اليومية، من صناعة الخبز إلى حفلات الزواج والعادات الاجتماعية، وهي عناصر تمنح العمل ملمحًا إثنوغرافيًا واضحًا، يبدو موجّهًا أيضًا لذائقة المتلقي الأوروبي الذي ينجذب عادة إلى هذا النوع من التفاصيل الثقافية.

اشتغال بصري يحمل تأثيرات السينما الإيرانية

يحمل الفيلم بصمة إنتاجية دولية واضحة، إذ أمضى راكان مياسي أكثر من عامين في التحضير للمشروع، ونجح في استقطاب جهات إنتاجية متعددة، من بينها مؤسسات بلجيكية، ومؤسسة البحر الأحمر السينمائي، ومؤسسة الدوحة للأفلام، إلى جانب شركاء آخرين.

وعلى المستوى الفني، يبدو واضحًا أن مياسي اشتغل بعناية كبيرة على بناء المشهد بصريًا، بالتعاون مع بول سيف، الذي يشكّل حضوره إضافة حقيقية للفيلم. فالكثير من المشاهد تبدو مصممة بعناية تشكيلية، تحمل تأثيرات واضحة من السينما الإيرانية الحديثة، لكنها في الوقت ذاته تحافظ على خصوصية لغتها وشخصياتها النسائية المأزومة.

حكايات مفتوحة ونهايات معلّقة

الفيلم يفتح العديد من الحكايات التي تبدأ ولا تنتهي: قصة الفتاة المتهمة بحرق الشاحنة، والتي لا تظهر براءتها إلا عبر تسجيل صوتي؛ علاقة جواهر بأحد زملائها؛ حب ريم ومحاولة هروبها؛ خوف الأب وإصراره على إغلاق أبواب المنزل ونوافذه رغم انتمائه إلى قبيلة يفترض أن تحميه. كلها خطوط درامية تتجاور دون نهايات حاسمة، بما يعكس حالة الضياع والاختناق التي تعيشها الشخصيات.

حتى مشاهد البحث والزفاف، التي تستغرق مساحة زمنية طويلة، تبدو موظفة لخدمة الرؤية الجمالية للفيلم، خصوصًا مع المعالجة الموسيقية اللافتة التي تستبدل الضجيج الواقعي بإحساس داخلي أكثر شاعرية وتأملًا.

النهاية.. محاولة للهروب من سلطة الرجل

يأتي المشهد الختامي امتدادًا لهذا البناء البصري، حيث تحاول ريم الفرار نحو المجهول، بينما يحاول شقيقها وحبيبها إقناعها بالعودة، لكنها تسعى إلى خلاص يبدو مستحيلًا، في عالم تحكمه سلطة الرجل الممتدة عبر قرون طويلة.

كما يوظف الفيلم إشارات دينية متعددة، مثل الأذان وتلاوة القرآن، في محاولة للإيحاء بأن الهيمنة الذكورية تجد امتدادها داخل البنية الاجتماعية والدينية معًا، وهي زاوية ستثير بلا شك كثيرًا من النقاش والجدل.

في المحصلة، فإن «البارحة العين ما نامت» يطرح أسئلة حادة حول واقع المرأة ومصيرها داخل المجتمعات العربية المحافظة، عبر عمل بصري متقن، يحمل حساسية فنية عالية، ويكشف عن موهبة مخرج شاب يمتلك أدواته ولغته السينمائية الخاصة.