محمد قناوي يكتب: الأقصر الأفريقي يُكرم ريهام عبد الغفور..اعتراف بحالة نضج فني

يأتي تكريم الفنانة ريهام عبد الغفور ضمن فعاليات مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في دورته الخامسة عشرة، التي تنطلق بمعبد الأقصر مساء غدًا – الأحد- ، بوصفه لحظة فارقة لا تكتفي بالاحتفاء بمسيرة طويلة، بل تعترف بتحول نوعي نادر في تجربة ممثلة انتقلت من منطقة الأمان الفني إلى فضاء المخاطرة المحسوبة، والقلق الفني الخلاق، هذا التكريم لا يخص الماضي بقدر ما يقرأ الحاضر، ويؤكد أن ريهام تعيش لحظة نضج فني حقيقية، أعادت فيها تعريف أدواتها وموقعها داخل المشهد الدرامي.

منذ بداياتها، ارتبطت تجربة ريهام بإرثها العائلي، كونها ابنة الفنان الراحل أشرف عبد الغفور، وهو ما وضعها داخل معادلة دقيقة بين الامتداد والاستقلال، في مطلع الألفية، ظهرت في أعمال مثل”حديث الصباح والمساء” المستلهم من عالم نجيب محفوظ، و”العائلة والناس” و”الحقيقة والسراب”، مقدمة نموذج الفتاة الرقيقة ذات الحضور الهادئ، في تلك المرحلة، كان أداؤها يعتمد على النقاء العاطفي والقبول الجماهيري، حيث تجسّد الشخصية أكثر مما تفسّرها، أي تنقل الحالة دون أن تعيد إنتاج معناها، لم يكن ذلك ضعفًا، بل انعكاسًا لصناعة درامية تميل إلى التصنيف السريع وتثبيت الممثلين داخل قوالب جاهزة، وهو ما جعلها تبدو ممثلة قادرة، لكنها لم تختبر بعد في مناطق أكثر تعقيدًا.

الإحتراف في مواجهة التكرار

ومع مرور السنوات وتزايد حضورها في أعمال مثل “شيخ العرب همام” و”حارة اليهود” و”لا تطفئ الشمس”، دخلت ريهام مرحلة التراكم الصامت، قدمت خلالها أداءً احترافيًا ثابتًا، وأظهرت قدرة واضحة على التكيف مع أنماط درامية مختلفة، لكنها ظلت تتحرك داخل منطقة آمنة، هنا برز ما يمكن تسميته بـ”فخ الكفاءة”، ممثلة موثوقة، لكنها لا تفاجئ، التكرار لم يكن في الأدوار فقط، بل في الإيقاع الداخلي للأداء، ما جعل هذه المرحلة تمثل الكم دون الكيف، حيث كانت تبني أدواتها بهدوء دون أن تمتلك بعد لحظة التحول الحاسمة.

كسر الصورة وإعادة البناء

التحول الحقيقي جاء مع صعود المنصات الرقمية، حين اتخذت ريهام قرارًا واعيًا بالتمرد على صورتها النمطية، لم يكن الأمر مجرد تنويع في الأدوار، بل إعادة اختراع كاملة للذات الفنية، في أعمال مثل “منعطف خطر” و”وش وضهر” و”الغرفة 207″و”أزمة منتصف العمر”، قدمت شخصيات مركبة، مضطربة، بعيدة تمامًا عن نموذج البراءة الذي ارتبط بها لسنوات، هنا انتقلت من الأداء الخارجي إلى التمثيل الداخلي، ومن الانفعال المباشر إلى التعبير عبر الصمت والتوتر، ومن الشخصيات الواضحة إلى نماذج إنسانية معقدة وغير مكتملة أخلاقيًا ونفسيًا.

من الحياد إلى الدلالة

هذا التحول لم يكن شكليًا، بل طال جوهر أدواتها التمثيلية، لم يعد الجسد عنصرًا محايدًا، بل أصبح نصًا موازيًا يحمل دلالات مستقلة؛ “النظرة، الإيماءة، التوتر الداخلي”، كلها تحولت إلى أدوات تعبير أساسية، في” أزمة منتصف العمر”، مثلًا، لم تكن الجرأة في الفكرة فقط، بل في كيفية تجسيد صراع داخلي معقد عبر تفاصيل دقيقة تكاد لا ترى لكنها تحس، وهو ما يعكس انتقالها إلى مستوى أداء يعتمد على ما تحت السطح.

بالتوازي مع ذلك، أسهمت ريهام في تفكيك الصورة النمطية للمرأة في الدراما، فبعد أن قدمت لسنوات نموذج المرأة الطيبة أو المظلومة، أصبحت تقدم شخصيات معقدة، متناقضة، وقابلة للخطأ، لم تعد تسعى إلى تجميل الواقع أو تقديم نماذج مثالية، بل إلى كشف إنسانية المرأة بكل تناقضاتها، وهو ما يمنح أعمالها عمقًا وصدقًا أكبر، ويضعها في منطقة أقرب إلى الواقعية النفسية.

أين تتجلى الموهبة؟

ورغم مشاركاتها السينمائية في أفلام مثل “ملاكي إسكندرية” و”الخلية” و”صاحب المقام”، فإن الدراما،وخاصة الرقمية، ظلت المساحة الأخصب لتجليات موهبتها، فطبيعة هذه الأعمال، بما توفره من زمن أطول ومساحات نفسية أوسع، أتاحت لها بناء شخصيات مركبة تتناسب مع أسلوبها القائم على التراكم والاشتغال على التفاصيل، بينما لم تستثمرها السينما التجارية بالشكل الكافي.

ما يميز ريهام عبد الغفور ليس الأداء الصاخب، بل الاقتصاد الذكي في التعبير، هي ممثلة تعتمد على الصمت بقدر اعتمادها على الحوار، وعلى التفاصيل الصغيرة أكثر من اللحظات الانفعالية الكبيرة، يمكن تلخيص مشروعها الفني في فكرة واحدة، “تمثيل الشك بدل اليقين”، فهي لا تقدم إجابات جاهزة، بل تخلق توترًا وتفتح مساحات للتأويل، وهو ما يجعلها من أبرز ممثلي الواقعية النفسية في الدراما الحديثة.

الاحتفاء بالتحول لا بالبداية

من هنا، لا يبدو تكريمها في مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية مجرد احتفاء بماضٍ ناجح، بل اعتراف بقدرتها على كسر النمط وإعادة تعريف ذاتها، لقد أثبتت أن النضج الفني لا يرتبط بالزمن أو بعدد الأعمال، بل بجرأة القرار والقدرة على إعادة اكتشاف النفس.

في النهاية، تمثل ريهام عبد الغفور حالة فنية نادرة، ممثلة لم تكتفِ بالنجاح، بل سعت إلى تجاوزه، انتقلت من “البراءة الآمنة” إلى المخاطرة المحسوبة، ومن الحضور الجميل إلى القلق الفني الخلاق، ومن ممثلة تكمل المشهد إلى فنانة تصنع معناه، إنها ببساطة، فنانة أعادت كتابة نفسها، فاستحقت أن يعاد قراءتها نقديًا.