خيانة الدم .. حين يتحول الشقيق إلى عدو في دراما رمضان 2026

بقلم نورا أنور

شهدت دراما رمضان 2026 ظاهرة لافتة على مستوى البناء الدرامي، تمثّلت في تصاعد حضور «خيانة الأشقاء» كخط سردي رئيسي داخل عدد من الأعمال، حتى بدت هذه التيمة وكأنها انعكاس درامي لتحولات اجتماعية ونفسية عميقة، تتجاوز مجرد الصراع العائلي التقليدي إلى مستويات أكثر تعقيدًا ترتبط بالسلطة، والميراث، والغيرة، وإعادة تشكيل مفهوم العائلة داخل الدراما المعاصرة.

لم تعد الخيانة في الدراما الرمضانية هذا العام محصورة في العلاقات العاطفية أو السياسية، بل انتقلت إلى أكثر المساحات حساسية : علاقة الأخ بأخيه أو بأخته، وهي العلاقة التي لطالما قدّمتها الدراما العربية باعتبارها مساحة للوفاء والسند، إلا أن موسم 2026 أعاد تفكيك هذه الصورة المثالية، مقدّمًا نماذج متعددة لخيانة الأشقاء، اختلفت دوافعها بين الطمع، والانتقام، والشعور بالدونية، والصراع على النفوذ داخل العائلة.

كما أن الاعتماد المتكرر على هذه الثيمة يشير بوضوح إلى إدراك صنّاع الدراما لقوة الصراع العائلي في جذب الجمهور، نظرًا لارتباطه المباشر بالواقع الاجتماعي، خاصة في ظل التوترات الاقتصادية وتزايد النزاعات الأسرية حول الإرث والعمل والمال والنفوذ.

على المستوى الفني، أسهمت هذه الظاهرة في إثراء الأداء التمثيلي، إذ أتاحت مساحات نفسية معقدة للشخصيات، بعيدًا عن الثنائية التقليدية (الخير المطلق والشر المطلق)، فالخائن في هذه الأعمال لم يقدَّم دائمًا كشرير نمطي، بل كشخصية مأزومة تحمل دوافع إنسانية واجتماعية، وهو ما يعكس تطورًا ملحوظًا في الكتابة الدرامية التي باتت تميل إلى تعقيد البنية النفسية للشخصيات بدل تسطيحها.

نماذج درامية واضحة

وفي مسلسل «حد أقصى» بطولة روجينا، تتجسد خيانة الأشقاء في أقسى صورها من خلال خيانة أشقاء صباح، بطلة العمل، التي قامت بتربيتهم والإنفاق عليهم لسنوات، لكن مع ظهور الملايين في حسابها البنكي انكشفت حقيقة النفوس، تتحول العائلة هنا من كونها الحضن الآمن إلى مساحة تهديد دائم، حيث تتصاعد الخيانة تدريجيًا عبر توترات نفسية مكتومة، لا عبر صدمة مفاجئة، وهو ما يعكس وعيًا دراميًا بتشريح العلاقات الأسرية من الداخل، وكشف هشاشة الروابط حين يدخل المال طرفًا في المعادلة.

أما في «أولاد الراعي»، فتأخذ خيانة ماجد المصري لإخوته “أحمد عيد وخالد الصاوي” بعدًا أكثر تعقيدًا يرتبط بالصراع على النفوذ والمكانة داخل العائلة، وتبدو الخيانة هنا نتاجًا لتراكمات نفسية واجتماعية طويلة، تجعل من “الأخ” خصمًا وجوديًا لا مجرد شريك في الدم، وهو ما يقرّب العمل من البناء الملحمي القائم على صراع السلطة داخل البنية العائلية.

وفي «علي كلاي»، تتجلى خيانة شقيق روح – يار السكري- بوصفها خيانة إنسانية ونفسية قبل أن تكون مادية، حيث يسعى الشقيق إلى تزويج أخته قسرًا مقابل المال لرجل شديد الجبروت، في دلالة صريحة على تحوّل الأخ من حامٍ إلى مستغل، وتطرح هذه المعالجة رؤية قاسية عن استغلال السلطة الذكورية داخل الأسرة حين تتحول الأخوّة إلى أداة للهيمنة لا للحماية.

ويقدّم مسلسل «الكينج» نموذجًا واضحًا لصراع الأشقاء في سياق السلطة والنفوذ، من خلال خيانة شخصية مصطفى خاطر لشقيقه الذي يجسده محمد عادل إمام، وهي خيانة تنبع من الإحساس الدائم بالظل والاختفاء خلف “الأخ الأقوى”، وهنا تطرح الدراما سؤالًا جوهريًا: هل تصنع المقارنة داخل الأسرة شعورًا بالغيرة يتحوّل إلى خيانة؟ أم أن الخيانة هي نتاج تهميش طويل يتراكم بصمت حتى ينفجر؟

وفي «إفراج»، تأتي خيانة محمد عبد الحميد لشقيقه – عمرو سعد- في سياق واقعي شديد القسوة، حيث تتقاطع المصالح الشخصية مع الروابط العائلية، ليصل الأمر إلى بيع الأخ لأخيه مقابل حفنة من المال، بل وتوريطه في جريمة قتل زوجته وبناته، هذه المعالجة الدرامية تكشف كيف يمكن للضغوط الحياتية والطمع أن يطيحا بأقدس الروابط الإنسانية، مقدّمة الخيانة بوصفها نتيجة لانهيار القيم لا مجرد فعل شرير معزول.

أما مسلسل «درش»، فيقدم واحدًا من أكثر النماذج قسوة عبر خيانة أشقاء حسنة – سهر الصايغ- ، حيث تتحول البطلة إلى ضحية لدوائر القهر العائلي، في طرح درامي يرصد تفكك البنية الأسرية تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ويكشف كيف يمكن أن تتحول العائلة من مصدر دعم إلى مصدر تهديد نفسي ووجودي.

عمق منظومة القيم المرتبطة بالترابط العائلي

يمكن قراءة هذه الظاهرة ضمن سياق أوسع يرتبط بتحوّل الدراما الرمضانية من الصراع الخارجي إلى الصراع الداخلي، ومن مواجهة “الخصم” إلى مواجهة “القريب؟”، فخيانة الأشقاء دراميًا تعد أكثر إيلامًا وتأثيرًا لدى المشاهد، لأنها تهدم فكرة الأمان الأسري التي تعد من الثوابت الثقافية في المجتمع العربي، وتضرب في عمق منظومة القيم المرتبطة بالترابط العائلي.

كما أن تكرار هذه الثيمة يعكس مزاجًا دراميًا يميل إلى تفكيك البنية الأسرية بوصفها المجال الأكثر خصوبة دراميًا، خاصة مع تصاعد القضايا المرتبطة بالميراث والمال والصراعات العائلية في الواقع الاجتماعي، وهو ما يجعل المشاهد يرى على الشاشة انعكاسًا دراميًا لما يعيشه أو يسمع عنه يوميًا.

تحولات اجتماعية عميقة.. أم موضة درامية ؟

غير أن هذا الحضور المكثف يطرح تساؤلًا نقديًا مهمًا: هل نحن أمام انعكاس فني صادق لتحولات اجتماعية عميقة؟ أم أمام  موضة درامية  يتم توظيفها لرفع منسوب التشويق والصدمات الدرامية؟ فالإفراط في توظيف خيانة الأشقاء قد يفقدها تأثيرها تدريجيًا إذا لم تدعّم ببناء نفسي عميق ومبررات درامية مقنعة، تتحرر من التكرار النمطي.

في المحصلة، يمكن القول إن دراما رمضان 2026 كرّست «خيانة الأشقاء» بوصفها واحدة من أبرز السمات السردية للموسم، حيث تحولت الأخوّة من رمز للتكاتف إلى ساحة صراع درامي ثري ومشحون نفسيًا، يعكس تحولات المجتمع وضغوطه، ويمنح النصوص مساحة أوسع لاستكشاف النفس البشرية في لحظات ضعفها وطموحها وانكسارها، وهي ظاهرة، رغم قسوتها، قدّمت مادة درامية خصبة للتشويق والتحليل، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن تحوّل ملحوظ في خطاب الدراما نحو تفكيك الروابط الأسرية باعتبارها المصدر الأكثر تأثيرًا وإثارة في وجدان المشاهد العربي.