لم تعد دراما المستشفيات جديدة على الشاشة المصرية، لكن كل محاولة للعودة إلى هذا العالم بالأعمال الدرامية تستطيع فيه المستشفى أن تتحول من مجرد مكان تجري فيه الأحداث إلى بطل حقيقي للحكاية، مكان تتقاطع داخله حياة الأطباء والمرضى والممرضين وتتجاور فيه لحظات الموت مع الأمل والقرارات المهنية مع الأزمات الإنسانية
من هذه المنطقة يأتي مسلسل «بنج كلي» تأليف محمد سليمان عبد المالك وإخراج نادين خان وبطولة محمد دياب وسلمى أبو ضيف ومحمد مهران ومحسن محيي الدين وكمال أبو رية وسلوى محمد علي وعلا رشدي ولبنى ونس وضياء عبد الخالق وأحمد شاهين وناندا محمد وزهرة رامي.
خلال 15 حلقة يحاول المسلسل أن يقدم حياة الأطباء مهنيا واجتماعيا وعاطفيا وفي الوقت نفسه يضع أمامهم حالات صعبة وقرارات لا تحتمل التأجيل بما تحمله من مسؤولية مهنية وإنسانية، لكن «بنج كلي» لا يكتفي بعرض الحالة الطبية باعتبارها أزمة تنتهي بنجاح عملية أو فشلها وإنما يجعل منها مدخلا إلى حكايات مختلفة وهو ما يمكن وصفه بأنه حالات طبية داخل حكايات.
بين «لحظات حرجة» و«بنج كلي»
من الصعب مشاهدة مسلسل يدور في عالم المستشفيات دون أن تستدعي الذاكرة مسلسل «لحظات حرجة» الذي بدأ عرضه عام ٢٠٠٧ وقدم على مدار ثلاثة أجزاء تجربة مختلفة في دراما المستشفيات، كان “لحظات حرجة” أقرب إلى الدراما المنفصلة المتصلة شارك في كتابة حلقاته أكثر من مؤلف وأخرج أجزاءه أكثر من مخرج تحت الإشراف الإخراجي لشريف عرفة مع بطولة جماعية وضيوف شرف كثيرين بينما كانت المستشفى نفسها هي البطل المحوري الذي تتقاطع داخله الحكايات، أما “بنج كلي” فلا يبدو معنيًا بتكرار التجربة القديمة بقدر ما يحاول إعادة تقديم عالم المستشفيات من زاوية أكثر محلية.
فـ «لحظات حرجة» لم يكن محليا بالدرجة نفسها كانت حكاياته وشخصياته أكثر انفتاحا على نماذج وتجارب تتجاوز التفاصيل المصرية المباشرة بينما يذهب “بنج كلي” إلى قلب البيئة المصرية بأزماتها الاجتماعية والإنسانية والمهنية، ومن هنا تأتي المقارنة بين العملين لا باعتبار أن أحدهما نسخة من الآخر وإنما باعتبارهما تجربتين تنتميان إلى عالم درامي واحد لكن كل منهما اختار طريقا مختلفا في تقديمه.
حالات متشابهة ومصائر مختلفة
اعتمد المؤلف محمد سليمان عبد المالك على الحالات الطبية باعتبارها أحد أهم محركات الحكاية لكنه لم يكتفِ بعرض حالة منفردة في كل مرة ، وفي عدد من المواقف كان يضع أمام المشاهد حالتين متشابهتين في السبب أو الظروف ثم يمنح كل حالة مصيرا مختلفا حادثتا سير مثلا قد تبدآن من الظرف نفسه لكن بينما تنجو إحدى الحالات تنتهي الأخرى إلى الموت، هذه المفارقة هي ما يمنح الحالة الطبية قيمتها الدرامية، فالمسلسل لا يقول فقط إن هناك مريضا دخل المستشفى وإن الأطباء تعاملوا معه وإنما يضعنا أمام حقيقة أن تشابه البدايات لا يعني بالضرورة تشابه النهايات، وفي الوقت نفسه يربط الكاتب هذه الحالات بحياة الأطباء والممرضين ومشكلاتهم بحيث تصبح المستشفى مساحة تتقاطع فيها الحكايات الطبية مع الحكايات الإنسانية، وهذا ما يجعل العمل أقرب إلى مسلسل حالات طبية داخل حكايات وليس مجرد مسلسل عن الأطباء.
د. دعاء .. إثبات الذات بعيدا عن اسم الأب
تدخل د.دعاء التي تجسدها سلمى أبو ضيف مستشفى الأمل باعتبارها طبيبة تخدير حققت حلمًا بالعمل في المكان الذي أرادته بعد تركها الدمرداش ، رغم أن والدها الطبيب الجامعي المعروف “رفعت” يمتلك مستشفى خاصة، منذ اللحظة الأولى تصطدم بدكتور عزازي الطبيب المعروف بخشونته في التعامل مع المحيطين به ويحاول زعزعة ثقتها بنفسها لكنها تتمسك بموقفها وتصر على إثبات جدارتها.
المفارقة هنا أن دعاء كان يمكنها أن تختار العمل مع والدها لكنها رفضت ذلك وهو ما منح الشخصية صراعا مهما أن تثبت نفسها باعتبارها طبيبة مستقلة عن اسم والدها ومكانته، وحين يكتشف” د.هيمن” حقيقة والدها ينتشر الأمر داخل المستشفي لتصبح “دعاء” أمام اختبار آخر هل ينظر إليها زملاؤها باعتبارها طبيبة تستحق مكانها أم باعتبارها ابنة الطبيب المعروف؟ ويتطور الأمر عندما تقع في خطأين خلال فترة قصيرة فيطالب عزازي بإيقافها عن العمل إلى حين توفير طبيب تخدير آخر لكن عودتها أثناء استقبال المستشفى عددا كبيرا من الحالات الحرجة إثر حادث وإثباتها جدارتها تجبر عزازي على الاعتذار لها، ومن هنا تبدأ العلاقة بين الاثنين في التحول تدريجيا من الصدام إلى التفاهم ثم إلى مشاعر أكثر وضوحا.
حين تصبح سرية المريض مأزقا
من الخطوط التي حملت داخلها سؤالا مهنيا وأخلاقيا مهما، قضية مدحت وحمزة، المسألة لم تكن مجرد البحث عن شخص مختف أو كشف متهم وإنما وضعت دعاء، باعتبارها طبيبة تخدير أمام مأزق شديد الحساسية إذا اعترف لها المريض بشيء أثناء وجوده تحت تأثير التخدير فهل يصبح عليها أن تبلغ بما سمعته؟ أم أن ما عرفته يظل داخل نطاق سرية المريض وعدم إفشاء معلوماته؟
المسلسل يضع الطبيب هنا أمام تعارض بين واجبين الالتزام بسرية المريض والتعامل مع احتمال وجود جريمة حدثت بالفعل، وتزداد الأزمة عندما تشعر دعاء بأنها مراقبة ثم تتعرض لمحاولة قتل في حادث سيارة لتأتي الحبكة بحل قانوني داخل الأحداث من خلال بلاغ مجهول يتهم مدحت بقتل حمزة ومحاولة التخلص من دعاء.
وهنا كان الخط أكثر من مجرد لغز تشويقي لأنه منح الدراما مساحة لطرح سؤال عن حدود مسؤولية الطبيب، ومتى تصبح المعلومة التي عرفها بحكم مهنته قضية تتجاوز العلاقة بين الطبيب والمريض.
د.عزازي .. الطبيب خلف القسوة
لم يجعل المسلسل عزازي مجرد طبيب صعب المراس وإنما حاول تدريجيا أن يكشف ما وراء هذه القسوة، تظهر ضغوطه الأسرية خصوصا مع أزمة شقيقته ميسرة وطلاقها ومحاولاته الإصلاح بينها وبين زوجها ثم يأتي مرضها وتسمم الحمل ليضعه في مواجهة أزمة شخصية داخل المستشفى نفسها، وفي الوقت ذاته تتغير علاقته بدعاء، فتظهر مساحة أكثر هدوءا في شخصيته، إلى أن يصل الأمر في النهاية إلى التصريح بحبه لها، لكن المسلسل يترك هذه العلاقة معلقة مثلما يترك قرار دعاء بشأن مستقبلها المهني مفتوحا فلا نعرف هل ستختار عزازي ولا هل ستستمر في مستشفى الأمل أم ستذهب إلى مستشفى والدها الخاصة.
المستشفى الخاصة مساحة لم تستثمر بالكامل
رغم أن وجود والد دعاء كطبيب معروف وصاحب مستشفى خاصة كان يمكن أن يفتح بابا دراميا مهما فإن الجانب الآخر من عالم الطب أي المستشفيات الاستثمارية الخاصة ظهر على استحياء، كان يمكن للمسلسل أن يذهب أبعد في المقارنة بين المستشفى التي تخدم الغلابة والمستشفى الخاصة التي يمتلكها والد دعاء وأن يطرح بصورة أكثر مباشرة الفارق بين الطب باعتباره مهنة إنسانية والطب باعتباره نشاطا استثماريا، لكن العمل لم يمنح هذه المنطقة المساحة الكافية واكتفى بتركها في خلفية الحكاية.
عصفور.. الوجه الآخر للمهنة
من الخطوط التي كشفت أيضا عن الضغوط التي يعيشها العاملون داخل المستشفى حكاية الدكتور عصفور الذي يشك في وجود نقص في دولاب المخدرات وليبعد الشبهة عن نفسه وجهة الشبهة إلى الممرضة نادية
تقف دعاء إلى جانب نادية ثم تكتشف أن عصفور نفسه هو من يسرق المواد المخدرة ويتعاطاها وتهدده بإبلاغ إدارة المستشفى عن تاريخه في المستشفيات السابقة وسرقته وتعاطيه إذا لم يبرئ نادية، ولا يجد عصفور مخرجا من أزمته فينتحر بجرعة زائدة داخل حمام المستشفى، ويموت متأثرًا بإدمانه، الحكاية هنا لا تتوقف عند الجريمة أو السرقة وإنما تكشف وجها مظلما من الضغوط التي يمكن أن يعيشها الطبيب نفسه، وتضع الإدمان في قلب بيئة يفترض أنها الأكثر معرفة بخطورته.
نادين خان.. الصورة حين تنقلب أكثر مما ينبغي
على مستوى الإخراج كان اختيار الفنانين مناسبا للشخصيات وكذلك اختيار المستشفى والإضاءة بما يتلاءم مع طبيعة العمل،لكن المخرجة نادين خان لجأت طوال الوقت تقريبا إلى استعراض بصري واضح خصوصا من خلال تدوير الكادر، يمكن فهم استخدام هذه التقنية في بعض اللحظات مثل مشاهد التخدير أو فقدان الوعي حيث يصبح انقلاب الصورة انعكاسا منطقيا لحالة المريض وإحساسه بالعالم.
لكن المشكلة أن الاستخدام تجاوز الحاجة الدرامية فتحول التدوير من أداة تعبيرية إلى تقنية متكررة، فاللغة البصرية لا تصبح أكثر قوة لمجرد أن الكاميرا تتحرك أكثر قوة الصورة تأتي من قدرتها على التعبير عن الحالة التي أمامها، وعندما تتكرر التقنية دون مبرر واضح يصبح المشاهد واعيا بالكاميرا نفسها بدلا من أن يبقى داخل الحكاية، وهنا تحديدا كان يمكن للمخرجة أن تكون أكثر اقتصادا لأن الاحتفاظ بتدوير الكادر للحظات التي تحتاجه فعلا كان سيجعله أكثر تأثيرا بدلا من أن يتحول إلى واحدة من أبرز نقاط الضعف البصرية في العمل
ممثلون بصورة مختلفة
من نقاط القوة في “بنج كلي” أن عددا من الفنانين ظهروا بصورة مختلفة عما اعتدناه ، فمثلا: محمد دياب بدا أكثر نحافة وجاء أداؤه هادئا رغم التقلبات المزاجية لشخصية عزازي ولم يعتمد على خشونة الشخصية الخارجية فقط.
أما سلمى أبو ضيف فاختارت رغم أن دعاء تنتمي إلى عائلة ثرية أن تظهر في صورة بسيطة وهو اختيارخدم الشخصية وجعل ثقتها بنفسها نابعة من شخصيتها وقدراتها وليس من مظهرها ، ويقدم محسن محيي الدين شخصية الطبيب الذي يمكن وصفه بـ”طبيب الغلابة” ليس فقط من خلال مظهره وإنما أيضا في طريقة الأداء والتعامل مع الحالة المرضية التي تعاني منها الشخصية وقد أجاد في تقديم تفاصيلها.
كما أضاف حضور كمال أبو رية وسلوى محمد علي ولبنى ونس وعلا رشدي وضياء عبد الخالق وأحمد شاهين وناندا محمد وزهرة رامي إلى عالم المسلسل، ونجح العمل في منح كل منهم مساحة تسمح له بتقديم الشخصية بعيدا عن الصورة النمطية المعتادة.
بنج كلي” تجربة تستحق التوقف أمامها في دراما المستشفيات المصرية ليس لأنه الأول في تقديم هذا العالم، وإنما لأنه حاول أن يعيد تقديمه من داخل حكايات مصرية محلية وأن يجعل الحالات الطبية مرآة لحياة الأطباء والمرضى والعاملين داخل المستشفى.
نجح في اختياراته خصوصا على مستوى بناء عالم المستشفى وتوظيف الحالات المتشابهة ذات المصائر المختلفة واختيار الممثلين وخلق عدد من المعضلات المهنية والإنسانية، ولكنه ترك أبواب المستشفى مفتوحة على حكايات أخرى كان يمكن أن تبدأ من حيث انتهت الحكاية.
