ماجدة الرومي.. أيقونة الحب والسلام في ختام أسطوري لمهرجان قرطاج الدولي

تغطية: يسر العوني – تونس

لم يكن حفل اختتام الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي مجرد سهرة غنائية عابرة، بل بدا أقرب إلى لقاء استثنائي بين الحب والحنين والذاكرة، جمع الفنانة الكبيرة ماجدة الرومي بالجمهور التونسي الذي ارتبط بها بعلاقة وجدانية تمتد لأكثر من أربعة عقود.

فعلى ركح المسرح الأثري بقرطاج، المكان الذي شهد واحدة من أهم محطات انطلاقتها الفنية، عادت ماجدة الرومي لتلتقي جمهورًا جاء بالآلاف، في حفل أقيم أمام شبابيك مغلقة، ليمنح الدورة الستين ختامًا يليق بتاريخ المهرجان ومكانته.

ومنذ اللحظات الأولى، بدت العلاقة بين الفنانة والجمهور مختلفة عن علاقة مطربة بجمهورها، إذ حمل اللقاء إحساسًا عائليًا وذاكرة مشتركة تراكمت على مدار سنوات طويلة.

«هذا عرس.. فلنغن للحب والسلام»

استهلت ماجدة الرومي حفلها بتحية الجمهور التونسي، وقالت في كلمة اختصرت طبيعة الأمسية: «لا أعتبر الحفل حفلاً، بل هو عرس، وفي العرس نغني جميعًا، فلنغن للحب والسلام»، قبل أن تتمنى الخير والازدهار لتونس وشعبها.

ومن تلك اللحظة، كان واضحًا أن السهرة لن تكون مجرد استعراض لأشهر أغانيها، وإنما لقاء وجداني مع جمهور يعرف أعمالها ويحفظ كلماتها ويرددها معها.

أجيال كاملة كبرت على صوت ماجدة الرومي، ولذلك بدا حضورها في قرطاج أقرب إلى استعادة لذكريات شخصية وجماعية، جعلت الفنانة واحدة من الأصوات الأكثر قربًا إلى وجدان الجمهور التونسي.

قرطاج.. ذاكرة البدايات وحب لا ينتهي

تحتفظ علاقة ماجدة الرومي بتونس بذاكرة تمتد لأكثر من أربعة عقود، منذ وقوفها على ركح مسرح قرطاج في صيف عام 1980، في واحدة من المحطات التي ارتبطت بانطلاقتها نحو النجومية العربية.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح اسمها مرتبطًا بهذا المسرح العريق وجمهوره، وكلما عادت إليه بدا وكأنها تستكمل حوارًا بدأ منذ عقود ولم ينقطع.

وتونس بالنسبة إلى ماجدة لم تكن محطة عابرة في مسيرة فنية طويلة، وإنما بلد احتضن تجربتها في بداياتها، وجمهور ظل وفيًا لها على امتداد السنوات.

وردت الفنانة التحية بأغانٍ تونسية لعمالقة الموسيقى التونسية، من بينها أعمال للهادي الجويني وصليحة، مثل «لاموني اللي غاروا مني»، و«يا مي العوينة الزرقاء»، و«خالي بدلني»، و«آه يا خليلة»، في تحية فنية عكست عمق علاقتها بالتراث الغنائي التونسي.

كما قدمت عددًا من أشهر أغانيها التي صنعت حضورها في الذاكرة العربية، من بينها «خذني حبيبي»، و«اسمع قلبي»، و«مطرحك بقلبي»، و«كلمات»، و«عيناك ليالٍ صيفية»، و«كن صديقي»، و«عم يسألوني عليك الناس»، و«أحبك جدًا»، إلى جانب «ع السلامة يا تونس».

ولم تغب عن الأمسية رائعة العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ «أنا كل ما أقول التوبة»، التي أعادت ماجدة تقديمها بأسلوبها الخاص، إلى جانب عدد من أعمالها الأخرى مثل «ميلي يا حلوة»، و«لا تسأل عن أخباري»، و«قول يا قلبي».

علاقة تتجاوز الفن

ولا تقتصر علاقة ماجدة الرومي بتونس على الحضور الفني، وإنما تحمل أيضًا بعدًا رسميًا وثقافيًا، إذ منحت عام 2010 الصنف الأول من وسام الاستحقاق الثقافي التونسي.

كما استقبلها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي عام 2017 في قصر قرطاج، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الحادية والستين لعيد الاستقلال الوطني التونسي.

وكانت ماجدة قد زارت تونس عام 2015 عقب العملية الإرهابية التي استهدفت متحف باردو، تعبيرًا عن تضامنها مع تونس وشعبها، في موقف عكس ارتباطها بالبلد بعيدًا عن خشبة المسرح.

من لبنان إلى قرطاج.. صوت يحمل قضية

حين تغني ماجدة الرومي، يحضر لبنان معها، ذلك الوطن الذي ظل جزءًا أساسيًا من تجربتها الفنية والإنسانية، منذ أن صدح صوتها بأغنية «عم بحلمك يا حلم يا لبنان»، من كلمات سعيد عقل وألحان إلياس الرحباني.

ومن قرطاج، وجهت الفنانة تحية إلى وطنها لبنان وإلى اللبنانيين، مستحضرة قدرة شعب عانى سنوات طويلة من الألم والحروب على الحفاظ على الجمال والفرح والقدرة على الحياة.

وبالنسبة إلى ماجدة، لم يكن الغناء يومًا منفصلًا عن القضايا الإنسانية التي تؤمن بها، إذ اختارت صوتها ليكون مساحة للحب والحرية والسلام، والتعبير عن قضايا وطنها وعن الإنسان المقهور والمظلوم.

وهذه الخصوصية تفسر جانبًا مهمًا من حضورها العربي، فهي لم تبنِ تجربتها على النجومية وحدها، وإنما على مشروع غنائي ظل وفيًا للكلمة الرفيعة والقصيدة والأغنية التي تحمل معنى يتجاوز لحظة الاستماع.

«كلمات».. القصيدة التي تحولت إلى علامة

كانت قصيدة «كلمات» للشاعر الكبير نزار قباني واحدة من أبرز لحظات الأمسية، وهي الأغنية التي تحولت منذ صدورها عام 1991 إلى علامة فارقة في مسيرة ماجدة الرومي، ورسخت علاقتها بالشعر العربي وبعدد من كبار الشعراء، ومن بينهم نزار قباني ومحمود درويش.

ومنذ بداياتها الفنية خلال سبعينيات القرن الماضي وحتى أعمالها الأحدث، حافظت ماجدة على ملامح مشروعها الفني؛ صوت قوي، وأداء يراهن على الوقار، واهتمام بالكلمة واللحن، بعيدًا عن الاستعراض المجاني.

لذلك بدا حضورها في قرطاج مختلفًا واستثنائيًا. لم تكن بحاجة إلى حركة زائدة أو بهرجة بصرية لتفرض وجودها، فالصوت وحده كان كافيًا، بينما منحت الموسيقى والعازفين مساحة لصناعة لحظات الحنين والنوستالجيا.

«نسيت الجملة».. عفوية تكسر الرسميات

وعلى مدار نحو ساعتين، غنى الجمهور مع ماجدة الرومي وأنصت إليها حين تحدثت، وتحول المسرح إلى مساحة لاستعادة جماعية لذاكرة الأغنية العربية، في زمن تتغير فيه سريعًا طرق صناعة النجوم واستهلاك الموسيقى.

وكانت العفوية حاضرة بقوة خلال الأمسية، خصوصًا عندما نسيت الفنانة إحدى جمل أغنياتها وقالت ببساطة: «نسيت الجملة!»، في لحظة عفوية أضفت على الحفل طابعًا إنسانيًا بعيدًا عن الرسميات.

ومن تونس إلى لبنان، نسجت ماجدة الرومي عبر صوتها جسرًا جديدًا من الحب والحنين والوفاء، لتتحول ليلة الاختتام إلى مساحة للقاء بين بلدين تجمعهما الذاكرة والثقافة والموسيقى.

ختام يليق بقرطاج وماجدة

جاء اختيار ماجدة الرومي لاختتام الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي ليمنح التظاهرة الفنية والثقافية العريقة نهاية تليق بتاريخها ومكانتها.

فالفنانة التي صنعت حضورها على امتداد عقود عادت إلى المسرح الذي ارتبط بواحدة من أهم محطات مسيرتها، لتجد أمامها جمهورًا يعرف أغنياتها ويحفظها ويرددها معها، وكأن الزمن لم يمر.

أسدل الستار على الدورة الستين، لكن صوت ماجدة بقي معلقًا في فضاء قرطاج، وربما كان ذلك أجمل ما يمكن أن تنتهي به دورة مهرجان من أعرق المهرجانات العربية والدولية: أن تغادر الموسيقى الركح، بينما تظل أصداؤها حاضرة في الذاكرة البصرية والسمعية لكل من عاشوا تلك الليلة.

لم تختتم قرطاج دورتها الستين بحفل غنائي عادي، بل اختتمتها بصوت استثنائي يعرف كيف يجعل من الأغنية مساحة للحب، ومن المسرح موعدًا للشوق والحنين، ومن الفن رسالة تتجاوز حدود المكان والزمان.