«آخر مشهد».. عندما تتحول السينما إلى ذاكرة.. إيمان القصاص تواجه سؤال الموت والغياب

بقلم محمد قناوي

هناك لحظات في السينما لا تنتهي بانتهاء المشهد، ولا تغلق مع كلمة «ستوب» التي يقولها المخرج في موقع التصوير،تظل عالقة في الذاكرة، لكن معناها يتغير مع الزمن، خصوصًا عندما نكتشف أن الفنان الذي نراه على الشاشة لم يكن يعرف أنه يسجل، من حيث لا يدري، حضوره الأخير أمام الكاميرا.

من هذه المنطقة شديدة الحساسية تنطلق الكاتبة الصحفية إيمان القصاص في الحلقة الثانية من برنامج «سيناريو»، التي تحمل عنوان «آخر مشهد»، لتقدم قراءة مختلفة لعلاقة الفن بالموت، ولللحظة التي تتداخل فيها الحقيقة مع التمثيل، ويتحول فيها المشهد السينمائي من جزء من الحكاية إلى وثيقة شخصية عن صاحبها.

الحلقة لا تسأل فقط: كيف رحل هؤلاء الفنانون؟، وإنما تطرح سؤالًا أكثر قسوة: ماذا يعني أن يشاهد الجمهور اليوم مشهدًا لم يكن صاحبه يعرف أنه سيكون وداعه الأخير؟

السينما.. الفن الوحيد الذي يهزم الغياب بالصورة

تكمن قوة الفكرة في أن السينما تمتلك ما لا تمتلكه الفنون الأخرى بالدرجة نفسها: القدرة على الاحتفاظ بملامح الإنسان وصوته وحركته ونظراته، حتى بعد أن يصبح غيابه حقيقة.

وهنا تظهر المفارقة؛ فالفنان يموت مرة واحدة في الواقع، لكنه يستمر في الظهور أمام الجمهور كلما أعيد تشغيل الفيلم أو المسلسل، يصبح المشهد المسجل نوعًا من الوجود المؤجل، وكأن السينما تمنح صاحب الصورة حياة أخرى، لا يعيشها هو، وإنما يعيشها الجمهور من خلال الذاكرة.

وهذا تحديدًا ما تمنحه حلقة «آخر مشهد» قيمتها؛ فهي لا تستعيد وقائع الرحيل لمجرد التأثير العاطفي، وإنما تعيد النظر في معنى الصورة نفسها بعد غياب صاحبها.

محمود المليجي.. عندما سبقت الحقيقة الكاميرا

من أكثر النماذج دلالة قصة محمود المليجي، الذي رحل أثناء تصوير فيلم «أيوب»، القصة في ظاهرها واقعة مؤلمة من كواليس السينما، لكنها في جوهرها تكشف هشاشة الحدود بين الحياة والتمثيل. فالممثل الذي اعتاد أن يمثل الموت أو المرض أو الانهيار أمام الكاميرا، يمكن أن تتحول حياته نفسها، في لحظة غير متوقعة، إلى الحدث الحقيقي الذي لا يحتاج إلى سيناريو، هنا لا تعود الكاميرا مجرد أداة لتسجيل التمثيل، وإنما تصبح شاهدًا على الإنسان في أكثر لحظاته واقعية.

صلاح ذو الفقار.. حين اكتسبت «مع السلامة» معنى آخر

وفي قصة صلاح ذو الفقار، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا؛ فالجملة التي قالها أمام الكاميرا في «الإرهابي»: «مع السلامة»، كانت في سياق الفيلم مجرد جزء من الحوار، قبل أن يمنحها رحيله معنى جديدًا، وهذه واحدة من أكثر المفارقات قسوة في الفن: الكلمات لا تتغير، لكن المعنى يتغير لأن صاحبها لم يعد موجودًا.

الجمهور الذي يشاهد المشهد اليوم لا يسمعه بالطريقة نفسها التي كان سيسمعه بها قبل رحيل الفنان، تتحول الجملة من حوار درامي إلى شيء يشبه الرسالة الشخصية، رغم أنها لم تكتب أصلًا لهذا الغرض، وهنا تصبح الذاكرة شريكًا في صناعة المعنى.

أحمد زكي.. الصورة التي بقيت بعد صاحبها

في تجربة أحمد زكي بفيلم «حليم»، تتخذ المسألة بعدًا آخر، فالفنان الذي كان يعيش واحدة من أصعب مراحل حياته، ظل يعمل أمام الكاميرا، بينما كان المرض يقترب منه في الواقع، وبعد رحيله، أصبح الفيلم أكثر من مجرد عمل فني يجسد سيرة عبد الحليم حافظ؛ أصبح أيضًا جزءًا من السجل الأخير لمسيرة أحمد زكي نفسه، وهنا تتداخل الشخصيات،” عبد الحليم الذي يؤديه أحمد زكي”، و”أحمد زكي الذي يراه الجمهور بعد رحيله”،  وكأن الشاشة تحتفظ بشخصيتين في صورة واحدة، وتمنح المشاهد إحساسًا بأن الفنان لا يزال حاضرًا، رغم معرفتنا الكاملة بأنه غائب.

أسمهان.. حين يتحول الموت الحقيقي إلى جزء من الفيلم

لكن قصة أسمهان و«غرام وانتقام» تذهب بالفكرة إلى أقصى حدودها، لأن الموت لم يكن مجرد حدث وقع خارج الفيلم، بل أصبح جزءًا من تاريخ الفيلم نفسه، رحلت أسمهان أثناء تصوير العمل، واضطر صناع الفيلم إلى إعادة صياغة نهايته، بينما ارتبطت بعض لقطاته بجنازتها الحقيقية، هنا تختفي الحدود التقليدية بين الوثيقة والدراما، ما نشاهده ليس مجرد ممثلة تؤدي دورًا في فيلم، وإنما صورة لفنانة تحولت وفاتها الواقعية إلى جزء من ذاكرة العمل، وهو أمر نادر يجعل الفيلم نفسه أشبه بمساحة تختلط فيها الحياة بالموت، والتمثيل بالحقيقة، والوثيقة بالخيال.

نجيب الريحاني.. الغياب الذي أعاد كتابة النهاية

أما نجيب الريحاني في «غزل البنات»، فيقدم نموذجًا آخر، الفنان الذي رحل قبل اكتمال مشاهده، فاضطر صناع الفيلم إلى إعادة ترتيب النهاية، وهنا يكشف غياب الممثل عن الكاميرا تأثيره في البناء الدرامي نفسه، فالموت لا يوقف حياة الفنان فقط، وإنما قد يجبر السينما على إعادة كتابة الحكاية، وكأن القدر يصبح، للمرة الأولى، شريكًا غير معلن في كتابة السيناريو.

من رشدي أباظة إلى دلال عبد العزيز.. حضور الغائب

وتتسع دائرة الحلقة لتشمل رشدي أباظة، الذي استعين بالفنان صلاح نظمي لاستكمال بعض المشاهد في «الأقوياء»، وكذلك ماري منيب ودلال عبد العزيز، اللتين رحلتا بعد انتهاء تصوير أعمال لهما وقبل عرضها، في هذه الحالات، يحدث شيء شديد الغرابة، الجمهور يشاهد الفنان للمرة الأولى على الشاشة بعد وفاته، أي أن الزمن بالنسبة إلى المتفرج ينقلب؛ فالفنان يكون قد رحل في الواقع، لكنه يظهر أمامنا وكأنه لا يزال حيًا، ويتحرك ويتكلم ويضحك ويؤدي دوره، إنها واحدة من أقوى ألعاب السينما مع الزمن.

وائل نور.. حين يصبح الدعاء وداعًا

وتصل الحلقة إلى واحدة من أكثر القصص تأثيرًا مع وائل نور، الذي رحل أثناء تصوير «شقة فيصل»، وكان قد أنهى معظم مشاهده، بينما اكتسب أحد مشاهد الدعاء والمناجاة التي صورها قبل رحيله دلالة استثنائية بعد وفاته، المشهد لم يتغير، ولم تكتب كلماته من جديد، لكن عين المشاهد هي التي تغيرت، وهنا تكمن قوة السينما،  الصورة ثابتة، لكن ذاكرتنا عنها متحركة.

«آخر مشهد».. ليس عن الموت فقط

أهمية حلقة إيمان القصاص لا تكمن فقط في جمع هذه القصص، وإنما في أنها تفتح بابًا للتأمل في علاقة الفن بالزمن والموت والذاكرة، فالموت في السينما ليس دائمًا نهاية، أحيانًا يكون بداية لحياة جديدة للصورة، الفنان الذي يغيب عن العالم يظل حاضرًا في اللقطة، صوته يبقى مسموعًا، ملامحه محفوظة، وحركته متجمدة في زمن لا يستطيع الموت الوصول إليه، وهنا تتحول السينما إلى مقبرة من نوع مختلف؛ ليست مكانًا لدفن الأجساد، وإنما مساحة لحفظ الوجوه والأصوات واللحظات، لكنها في الوقت نفسه ليست مقبرة صامتة، لأن هذه الوجوه تستمر في الكلام والحركة كلما ضغط أحدهم زر التشغيل.

المشهد الأخير.. وداع لم نكن نعرف أنه وداع

ربما لهذا تبدو العبارة التي تطرحها إيمان القصاص في الحلقة شديدة الدلالة: «كانوا فاكرين إنهم مجرد بيصوروا فيلم جديد.. بس القدر كان بيقفل الستار على حياتهم هم شخصيًا»، هذه الجملة تختصر جوهر الحلقة؛ فالمفارقة ليست في أن الفنان مات، وإنما في أننا، كمشاهدين، نكتشف بعد رحيله أن بعض اللحظات التي تعاملنا معها باعتبارها مشاهد عادية كانت تحمل معنى آخر لم نكن نراه، وهنا يصبح «آخر مشهد» ليس آخر مشهد للفنان فقط، وإنما آخر مشهد بين الفنان وجمهوره، ذلك الجمهور الذي لم يكن يعرف أنه يودعه.

ومن هذه الزاوية، تنجح الحلقة الثانية من «سيناريو» في تجاوز حدود النوستالجيا واستدعاء الذكريات، لتطرح سؤالًا أعمق عن وظيفة الصورة الفنية، هل تحفظ السينما حياة أصحابها، أم أنها تحفظ لنا نحن أيضًا قدرتنا على تذكرهم؟ ربما تكون الإجابة في كل مرة نعيد فيها مشاهدة أحد هؤلاء الفنانين، فهم رحلوا بالفعل، لكن السينما لم تسمح لهم بالغياب الكامل..  مات أصحاب المشاهد.. وبقيت المشاهد شاهدة عليهم.