كان – عبدالستار ناجي
يعود المخرج البولندي الكبير بافل بافليكوفسكي إلى أجواء مهرجان كان السينمائي عبر فيلمه الجديد «فاذرلاند» (الوطن)، وهو عمل بالغ الكثافة الإنسانية والفكرية، صوِّر في بولندا ليستعيد ملامح ألمانيا الممزقة بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال رحلة أدبية وسياسية ونفسية يتقاطع فيها الخراب الوطني مع انهيارات الروح الفردية.
الفيلم، الذي تدور أحداثه عام 1949، يتخذ من رحلة الكاتب الألماني الحائز على نوبل توماس مان وابنته الكاتبة والناشطة السياسية إريكا مان إطاراً درامياً ثرياً، وهما يعبران ألمانيا المدمّرة بسيارة «بويك» من فرانكفورت غرباً إلى فايمار شرقاً، في رحلة تبدو للوهلة الأولى بروتوكولية، لكنها تتحول تدريجياً إلى مواجهة قاسية مع الذاكرة، والذنب، وأسئلة الثقافة التي خرجت من تحت أنقاض الحرب.
رحلة في خرائب ألمانيا والضمير الأوروبي
لا يكتفي بافليكوفسكي بسرد وقائع رحلة تاريخية، بل يصوغ فيلماً أشبه بالتأمل الشعري في العلاقة المعقدة بين الأدب والسياسة، وبين الفنان والتاريخ، فبين المدن المهدّمة والوجوه التي تحاول استعادة الحياة، تتصاعد الأسئلة الكبرى، كيف يمكن للأدب أن ينجو من وحشية الحرب؟ وهل تستطيع الثقافة أن تغسل خطايا الشعوب؟
الرحلة التي يخوضها توماس مان تبدو محاولة لإعادة وصل ما انقسم من الهوية الألمانية، خصوصاً مع انقسام البلاد بين شرق وغرب وسط بدايات الحرب الباردة، لكن الفيلم يقدّم هذا المسار من زاوية أكثر قسوة عبر نظرة إريكا مان، التي ترى أن الخراب أعمق بكثير من إعادة إعمار المدن، وأن الندوب الحقيقية تسكن الضمير الألماني ذاته.

ساندرا هولر.. أداء يرسّخ مكانتها العالمية
تمنح النجمة الألمانية الكبيرة ساندرا هولر الفيلم بعده الإنساني الأكثر توهجاً، عبر أداء بالغ الحساسية والتعقيد لشخصية إريكا مان، وتؤكد هولر مرة جديدة أنها واحدة من أهم ممثلات العالم في السنوات الأخيرة، بعد حضورها اللافت في أفلام مثل توني إردمان وتشريح السقوط ومنطقة الاهتمام.
في «فاذرلاند» تبدو هولر قادرة على التعبير عن التناقضات الداخلية بأقل الإيماءات؛ نظراتها تتحرك بين الشفقة والغضب والازدراء، فيما تحمل الشخصية عبء جيل كامل فقد ثقته في الشعارات الكبرى وفي فكرة «النقاء» الثقافي التي طالما تغنت بها ألمانيا.
ويزداد حضورها قوة في المشاهد التي تواجه فيها والدها، كاشفة التوتر العميق بين المثقف الذي ما زال يؤمن بوجود «روح ألمانية نبيلة»، وبين جيل جديد لا يرى سوى الرعب والدمار والخيانة الأخلاقية.

ثلاثية ما بعد الحرب
يواصل بافليكوفسكي عبر هذا الفيلم مشروعه الفني المرتبط بأوروبا ما بعد الحرب، بعد رائعتيه Ida وCold War، ليصنع ما يشبه ثلاثية غير مترابطة حول الفوضى الأخلاقية والإنسانية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
وكما في أعماله السابقة، يعتمد المخرج على الصورة بالأبيض والأسود، التي يقدّمها مدير التصوير لوكاس زال بحس بصري بالغ الجمال والدقة، حيث تتحول الظلال والمساحات الفارغة والوجوه الصامتة إلى لغة موازية للحوار.
الفيلم لا يهاجم ألمانيا فقط، بل يطرح سؤالاً أوسع عن مسؤولية الفن والأدب أمام الكوارث التاريخية، وعن حدود الحياد الثقافي حين يصبح العالم غارقاً في الوحشية.
دراما عائلية بمرارة سياسية
واحدة من أبرز نقاط قوة الفيلم تكمن في العلاقة المتوترة بين توماس مان وابنته إريكا، فالأب الذي يتمسك بخطابه الثقافي المتوازن يبدو بالنسبة لابنته أقل حساسية تجاه الجراح الحقيقية التي خلفتها النازية، بينما ترى إريكا أن النخبة الثقافية الألمانية تحاول استعادة صورتها بسرعة، من دون مواجهة كاملة مع الماضي.
ويمنح الممثل الألماني هانز زيشلر شخصية توماس مان عمقاً إنسانياً لافتاً، إذ يتدرج أداؤه من الثقة إلى الشك، ومن الإيمان بجدوى الرحلة إلى إدراك هشاشتها الأخلاقية والسياسية.
أما المشاهد التي يواجه فيها توماس مان شخصيات ألمانية كانت مرتبطة بالنظام النازي، فتأتي من أكثر لحظات الفيلم قوة ومرارة، خصوصاً حين يرفض التدخل لإعادة الاعتبار إلى مهرجان بايرويت، مطالباً بمحاكمة المتورطين في دعم النازية.

فيلم يقول الكثير بلا ضجيج
«فاذرلاند» ليس فيلماً عن الحرب فقط، بل عن آثارها العميقة على الأدب والهوية والوعي الإنساني، إنه عمل يتأمل الخراب الداخلي بقدر ما يرصد الخراب الخارجي، ويمنح المشاهد تجربة سينمائية ثرية بالحلول البصرية والاشتغالات الفكرية الرفيعة.
مرة أخرى يثبت بافليكوفسكي أنه من كبار سينمائيي أوروبا المعاصرين، فيما تؤكد ساندرا هولر علو كعبها كممثلة تمتلك قدرة نادرة على قول الكثير بأقل قدر من الانفعال أو التكلف.
فيلم كبير لمخرج كبير.. يعزف على إيقاع الحرب، وعلى الصمت الثقيل الذي تتركه خلفها في أرواح البشر.
