بقلم : محمد قناوي
تأتي مسابقة الأفلام القصيرة ضمن فعاليات مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية في دورته الخامسة عشرة (29 مارس – 4 أبريل) بوصفها المساحة الأكثر حرية وتجريبًا داخل المهرجان، حيث تتحرر السينما من قيود السوق والإنتاج الكبير، لتقترب أكثر من نبض الواقع وأسئلة الهوية.
أول ما تكشفه القائمة هو اتساع الخريطة الجغرافية بشكل لافت، من رواندا وأوغندا وناميبيا وأنجولا إلى السنغال ونيجيريا والمغرب ومصر، مرورًا بتجارب عابرة للحدود مثل فرنسا وغانا/البرتغال. هذا التنوع لا يعكس فقط تمثيلًا جغرافيًا، بل يشي بتحول الفيلم القصير إلى لغة مشتركة بين سينمائيين ينتمون لظروف إنتاجية وثقافية متباينة، لكنها تلتقي عند هاجس التعبير الفردي.
سينما انسانية
العناوين نفسها تبدو كاشفة عن طبيعة هذه السينما،”همسات من الريح”، “عندما انفتح العالم”، “مكان أنتمي إليه”، “طفو”، “لا توقظ الطفل النائم”، جميعها تنتمي إلى حساسية شعرية وتأملية، حيث تميل الأفلام إلى الاشتغال على الداخل الإنساني أكثر من الحدث الخارجي، هنا تتحول الكاميرا إلى أداة لاكتشاف الذات، لا مجرد وسيلة للحكي.
في المقابل، تبرز أفلام أخرى ذات طابع اجتماعي مباشر مثل “اتصل برقم 112″ و”أبيدجان.. العائلة” و”حكايتي مع شارع جيبّا”، وهي أعمال توحي بانشغال واضح بقضايا المدينة، والهامش، والتحولات الاجتماعية السريعة في المجتمعات الأفريقية، هذا التوازي بين الذاتي والواقعي يمثل أحد أهم ملامح المسابقة.
الحضور العربي
الحضور العربي داخل المسابقة يبدو لافتًا، خاصة من المغرب وتونس والجزائر ومصر، أفلام مثل “حدائق الفردوس” و”عائشة”و”مكان أنتمي إليه” تشير إلى استمرار الاشتباك مع أسئلة الهوية والانتماء، بينما تقدم التجربة المصرية حضورًا كثيفًا بأربعة أفلام، من بينها “يا مرايتي.. يا مرايتي.. مين أوحش مني!” و”لا يسمح بدخول الأطفال” ، وهي عناوين تعكس ميلاً إلى الطرح النقدي وربما الساخر للواقع الاجتماعي.
لكن هذا الحضور الكثيف يطرح سؤالًا نقديًا مهمًا، هل يعكس تنوعًا حقيقيًا في الأساليب والرؤى، أم أننا أمام إعادة إنتاج لخطاب سينمائي مألوف داخل دوائر المهرجانات؟ الإجابة ستتحدد بمدى قدرة هذه الأفلام على كسر القوالب وتقديم مقترحات جمالية جديدة.

سينما الشتات
اللافت أيضًا هو حضور سينما الشتات بشكل غير مباشر عبر أفلام مثل “حارسات الليل” و”مطلوب رد عاجل”، حيث تتقاطع الهوية الأفريقية مع تجارب الهجرة والاغتراب، ما يضيف بعدًا عالميًا للمسابقة.
في المجمل، تميل مسابقة الأفلام القصيرة هذا العام إلى السينما الهادئة، التأملية، التي تراهن على الفكرة والصورة أكثر من الحكاية التقليدية، ورغم ما تحمله هذه الاختيارات من قيمة فنية، فإنها تطرح تحديًا يتعلق بمدى قدرتها على الوصول إلى جمهور أوسع خارج فضاء المهرجانات.
تبدو هذه المسابقة كمعمل حقيقي لاكتشاف أصوات جديدة، وساحة اختبار لمستقبل السينما الأفريقية، حيث لا تزال الأسئلة مفتوحة، هل يظل الفيلم القصير مساحة للتجريب فقط، أم يتحول إلى قوة مؤثرة تعيد تشكيل لغة السينما في القارة؟
