تنبع ثقة الجمهور في اختيارات ريهام عبد الغفور الفنية من حرصها الدائم على تقديم أدوار متنوعة ومميّزة، ورفضها للأعمال الهابطة، بما يضمن لها الحفاظ على صورتها الفنية واحترام جمهورها. وكان أحدث هذه الاختيارات مسلسل «سنجل ماذر فاذر»، الذي شاهدته على إحدى المنصات الرقمية الكبرى قبل أيام قليلة.
بساطة ذكية
يأتي المسلسل كأحد الأعمال الاجتماعية التي تراهن على البساطة الذكية، لا باعتبارها اختزالًا أو تسطيحًا، بل بوصفها اقترابًا هادئًا من قضية شديدة الحساسية في المجتمع المعاصر: الطلاق وما بعده، وكيف يمكن للأب والأم إعادة تعريف أدوارهما الإنسانية بعيدًا عن ميراث الصراعات القديمة، وفي ظل عالم جديد تحكمه وسائل التواصل الاجتماعي وتحولات القيم والعلاقات.
ورغم أن تيمة الانفصال الأسري باتت مألوفة دراميًا، فإن ما يميّز هذا العمل هو زاوية التناول؛ إذ لا يتعامل مع الطلاق كنهاية مأساوية أو ساحة حرب، بل كنقطة تحوّل تفتح أسئلة جديدة حول النضج والمسؤولية وفرص البدء من جديد.
شراكة بعد الانفصال
شريف وسلمى (شريف سلامة وريهام عبد الغفور)، الزوجان المنفصلان بعد ثماني سنوات من الزواج، لا يتحوّلان إلى خصمين كما جرت العادة في الدراما، بل إلى شريكين في مهمة أكثر تعقيدًا: تربية طفل في عالم متغيّر. هنا لا يبحث المسلسل عن انتصار طرف على حساب الآخر، بل عن صيغة إنسانية للتعايش بعد الانفصال.
التحوّل المفاجئ لحياتهما إلى «تريند» على مواقع التواصل الاجتماعي لا يأتي كعنصر درامي مفتعل، بل كمرآة ساخرة لعصر أصبحت فيه الخصوصية سلعة، والمشاعر مادة قابلة للاستهلاك الجماهيري. ومن دون خطب مباشرة أو وعظ أخلاقي، ينجح العمل في تمرير نقد اجتماعي خفي لعلاقة الإنسان المعاصر بالسوشيال ميديا.
كوميديا واقعية
اختيار إطار الكوميديا الاجتماعية الرومانسية يحسب للمسلسل، وهي منطقة شديدة الحساسية غالبًا ما تفشل أعمال كثيرة في ضبط إيقاعها، هنا لا تبنى الكوميديا على «الإفيه» أو المبالغة، بل تنبع من مفارقات الواقع نفسه: ارتباك المطلقين، نظرة المجتمع، محاولات التكيّف، والأسئلة غير المعلنة التي يعيشها الأبناء.
هذا الطابع اللايت كوميدي يمنح المشاهد فرصة للضحك والتأمّل في آنٍ واحد، وهو ما يتّسق مع رؤية صنّاعه بأن الدراما ليست مجرّد ترفيه، بل أداة لإعادة التفكير في المسلّمات الاجتماعية.
أداء متوازن
تقدّم ريهام عبد الغفور شخصية سلمى بحساسية لافتة، بعيدًا عن صورة المرأة المطلّقة الضحية أو المتمرّدة؛ فهي امرأة مترددة أحيانًا، هشّة في لحظات، وقوية في لحظات أخرى. ويبدو اختيارها لهذا الدور واعيًا، لا سيما مع ابتعادها سابقًا عن هذا اللون الكوميدي الاجتماعي، ما أضفى على الأداء طزاجة وصدقًا.
أما شريف سلامة فيقدّم شخصية شريف من دون ادّعاء بطولة أو محاولة كسب تعاطف قسري، بل كرجل يحاول فهم ذاته الجديدة بعد الانفصال، هذا التوازن في كتابة وأداء الشخصيتين يعكس حرص العمل على عدم الانحياز لأي طرف، وهو ما يحسب للسيناريو.
الحضور اللافت للطفل آسر أحمد في دور «مالك» يمثّل نقطة قوة حقيقية؛ إذ لا يستخدم كأداة عاطفية، بل كشخصية فاعلة تعبّر عن جيل يتعامل مع الطلاق كأمر واقع، ويحاول – ببراءة وذكاء – إصلاح ما أفسده الكبار.
شخصيات مساندة
يقدّم المسلسل مجموعة من الشخصيات المساندة التي تسهم في توسيع الدائرة الاجتماعية للعمل: محمد كيلاني في دور رياض منتج الأفلام، وهنادي مهنا في دور ممثلة وطليقة رياض، وحنان سليمان في دور والدة شريف المؤلف المغمور، وليلى عز العرب في دور والدة رياض. وهي شخصيات لا تستخدم للحشو، بل لتعميق الرؤية حول العلاقات المتشابكة بعد الطلاق.
اقتصاد سردي
السيناريو، الذي شارك في كتابته تامر نادي ونجلاء الحديني، يعتمد على الاقتصاد السردي، وهو ما يتعزّز باختيار 15 حلقة فقط، وهو قرار ذكي جنب العمل الترهل، وحافظ على تركيز الخطوط الدرامية من دون افتعال صراعات جانبية، والكتابة هنا، وإن حملت حسًا أنثويًا واضحًا، فإنها لا تقع في فخ التحيّز، بل تضع الرجل والمرأة أمام اختبارات متساوية بعد الطلاق، وتترك الحكم النهائي للمشاهد.
إخراج هادئ
أما إخراج تامر نادي، فيراهن على أماكن حقيقية وإيقاع بصري هادئ بعيدًا عن الاستعراض، ومشاركته في الكتابة انعكست على وضوح الرؤية وتماسك الصورة، حيث تبدو كل تفصيلة محسوبة وقابلة للتنفيذ.
يعد عرض المسلسل خارج الموسم الرمضاني ميزة حقيقية، إذ يمنحه فرصة للتنفّس والوصول إلى جمهور أكثر تنوّعًا، بعيدًا عن زحام الأعمال الثقيلة، كما أن طبيعة موضوعه الهادئة تناسب المشاهدة المتأنّية، لا الاستهلاك السريع.
سؤال أخير
«سنجل ماذر فاذر» ليس عملًا صاخبًا ولا يسعى إلى الصدمة، بل يراهن على الصدق والهدوء والاقتراب من الناس. قوته الحقيقية تكمن في بساطته، وفي قدرته على طرح سؤال إنساني معاصر من دون أحكام مسبقة: هل يمكن أن يتحوّل الطلاق من فشل اجتماعي إلى فرصة لإعادة بناء العلاقات بشكل أكثر نضجًا؟ ، إنه مسلسل يبتسم للمشاهد، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام مرآة واقعه، وهي معادلة صعبة نجح العمل إلى حدٍّ كبير في تحقيقها.
