بقلم : محمد قناوي
شخصية “حسن” التي قدمها الفنان أحمد مجدي في مسلسل “الست موناليزا” كانت مغامرة شائكة في مشواره الفني لأن شخصية بالمواصفات التي ظهر بها كان من الممكن ان تفقده كثيرا من جمهوره ومعجباته ولكن “مجدي” راهن علي الدور وأنه سيكون نقلة كبيرة في مشواره وكسب الرهان بعد أن أشاد به الجمهور والنقاد
وشخصية “حسن” شخصية مختلفة تماما عن أدواره التي قدمها من قبل ؛ فهي شخصية لا تصرخ كثيرا، ولا تستعرض شرها علنا، لكنها تترك أثرا مزعجًا في نفس المشاهد، شخصية “حسن” لم تكن مجرد دور درامي عابر، بل تحولت إلى ظاهرة جدلية دفعت كثيرين، خاصة من جمهور النساء، إلى إعلان غضبهن من هذه الشخصية التي جسدت نموذجًا شديد البرود للنرجسية الذكورية.
المفارقة أن هذا الغضب لم يكن موجَّهًا إلى الشخصية فقط، بل امتد أحيانًا إلى الممثل نفسه. وهنا تحديدًا تكمن قوة الأداء: عندما ينجح الممثل في جعل الجمهور يخلط بينه وبين الشخصية التي يجسدها، فهذا يعني أنه نجح في خلق حضور درامي شديد الإقناع.
شر بارد يثير الأعصاب
منذ ظهوره الأول إلى جانب بطلة العمل مي عمر، اختار أحمد مجدي أن يبني شخصية “حسن” على قاعدة مختلفة تمامًا عن الصورة التقليدية للشرير في الدراما، لا انفعالات حادة، ولا نوبات غضب استعراضية، بل هدوء بارد يكاد يكون مقلقًا.
هذا الهدوء هو ما يجعل الشخصية أكثر استفزازًا للمشاهد، فـ”حسن” لا يعلن شره، بل يخفيه خلف مظهر الرجل المتزن والعاقل، يتحدث بنبرة منخفضة، يتحرك بثقة محسوبة، ويترك دائمًا انطباعًا بأنه يسيطر على الموقف حتى عندما يبدو صامتًا، لكن تحت هذا السطح الهادئ تختبئ شخصية نرجسية ترى الآخرين مجرد أدوات لخدمة مصالحها.
أداء ضد التيار
أحمد مجدي خالف التوقعات باداءه لشخصية “حسن ” فهو لم يعتمد تعتمد على الانفعال العالي كوسيلة سريعة لجذب الانتباه، ولكنه اختار طريقًا أصعب، الاقتصاد في التعبير، الاعتماد على التفاصيل الصغيرة في الأداء مثل : نظرة طويلة قبل الرد، ابتسامة باردة في لحظة غير مناسبة، صمت ثقيل يسبق جملة تبدو عادية لكنها تحمل تهديدًا مبطنًا، هذه التفاصيل الدقيقة صنعت شخصية “حسن” بوصفها شخصية نفسية أكثر منها درامية تقليدية، المشاهد لا يرى انفجار الشر فجأة، بل يكتشفه تدريجيًا، وكأنه يتابع عملية كشف بطيئة لشخصية تخفي حقيقتها خلف قناع من العقلانية.
النرجسية بلا قناع
ما يجعل “حسن” شخصية مزعجة إلى هذا الحد هو أنه لا يبدو شريرًا طوال الوقت، بل على العكس، يبدو أحيانًا منطقيًا أو حتى متعاطفًا، لكن هذا التعاطف سرعان ما يتحول إلى وسيلة للسيطرة، هنا يقدم أحمد مجدي نموذجًا دقيقًا لما يمكن تسميته بـ”النرجسية الهادئة” ، الشخصية لا تحتاج إلى رفع صوتها لتفرض حضورها، ولا تلجأ إلى العنف المباشر لتؤذي الآخرين. يكفيها أن تبرر أنانيتها بمنطق بارد يجعل الآخرين يبدون وكأنهم المخطئون، وهذه الطريقة في الأداء تجعل المشاهد يشعر بعدم ارتياح دائم تجاه الشخصية، حتى في اللحظات التي تبدو فيها طبيعية.
صراع تحت السطح
العلاقة الدرامية بين”حسن”وشخصية البطلة التي تقدمها مي عمر لا تعتمد على المواجهة المباشرة بقدر ما تقوم على صراع نفسي طويل، المشاهد التي تجمعهما غالبًا ما تبدو هادئة في ظاهرها، لكنها مشحونة بتوتر خفي، الكلمات قليلة، لكن النظرات تحمل معاني أكبر من الحوار نفسه، وهذا النوع من الأداء يعتمد على كيمياء دقيقة بين الممثلين، حيث يتحول الصمت أحيانًا إلى أداة درامية أقوى من الكلام.
ردود الفعل الغاضبة تجاه “حسن”لا يمكن فصلها عن واقعية الشخصية، فهي ليست نموذجًا شريرًا مبالغًا فيه، بل صورة مألوفة لرجل قد يبدو لطيفًا في البداية قبل أن يكشف عن أنانيته العميقة، الرجل الذي يتلاعب بالعاطفة، ويحوّل العلاقة إلى لعبة قوة، ويستخدم الهدوء كوسيلة للهيمنة، هذا القرب من الواقع هو ما جعل الشخصية تستفز جمهورًا واسعًا، خصوصًا النساء اللواتي رأين فيها انعكاسًا لنمط من العلاقات السامة التي قد توجد خارج الشاشة.
مغامرة محسوبة
اختيار أحمد مجدي لمثل هذه الشخصية ليس قرارًا سهلًا، فالممثل عادة يفضل الأدوار التي تكسبه تعاطف الجمهور، لكن “حسن” يفعل العكس تمامًا، إنه شخصية تدفع المشاهد إلى النفور منها وربما كراهيتها، لكن الممثل هنا يبدو واعيًا بأن الأدوار الصعبة هي التي تكشف قدرات الممثل الحقيقية، فالشخصيات المركبة نفسيًا تمنح الممثل مساحة أوسع للتعبير عن التفاصيل الداخلية بدل الاكتفاء بالانفعالات الخارجية.
كراهية الشخصية… شهادة نجاح
يمكن القول إن أحمد مجدي في “الست موناليزا” قدّم أداءً يثبت أن التمثيل الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى الصراخ، أحيانًا يكفي أن يهمس الممثل، وأن يترك التوتر يتسلل ببطء إلى المشهد، لقد نجح في تحويل “حسنط إلى شخصية تثير القلق والغضب في آن واحد؛ شخصية قد يرفضها المشاهد أخلاقيًا، لكنه لا يستطيع إنكار أنها كُتبت وأُديت بذكاء، وهنا تتحقق المفارقة الدرامية الجميلة ، “كلما كره الجمهور “حسن” ، ازداد اقتناعهم بموهبة أحمد مجدي
