محمد قناوي
لم يعد الممثل أمام وسيط واحد يحدد شكل أدائه وأدواته؛ فبين خشبة المسرح وشاشة السينما والتلفزيون، وصولًا إلى شاشة الهاتف، تتغير طبيعة الصورة ومساحة الحركة وإيقاع التعبير، لكن يظل جوهر التمثيل واحدًا: القدرة على نقل الإحساس والوصول إلى المتلقي. من هذه الفكرة انطلق المخرج مازن الغرباوي في ماستر كلاس «فن التمثيل في الميكرودراما.. من اللقطة للقلب»، الذي أقامه مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي ضمن فعاليات دورته الحادية عشرة، وأدارته الكاتبة الصحفية والإعلامية شيماء منصور.
جوهر التمثيل واحد.. لكن أدواته تتغير
بدأت شيماء منصور اللقاء بالإشارة إلى حرص المهرجان على تقديم موضوعات جديدة وغير تقليدية، معتبرة أن الميكرودراما تمثل إحدى أبرز إضافات الدورة الحالية، وتطرح تساؤلًا حول طبيعة العلاقة بين هذا الشكل الدرامي والمسرح، وما إذا كان امتدادًا لروحه أم يحتاج إلى أدوات أداء مختلفة.
وفي إجابته، أكد الغرباوي أن جوهر التمثيل لا يتغير بتغير الوسيط، وإنما يكمن الاختلاف في طبيعة الكادر وحجمه. فالمسرح يمنح الممثل مساحة الإطار الكامل، بينما تفرض الكاميرا أحجامًا مختلفة من اللقطات، من القريبة إلى العامة، وهو ما يتطلب وعيًا بطبيعة الصورة وكيفية توظيف أدوات الأداء داخلها.
واستشهد بتجربة الفنانة سهير المرشدي، التي تنقلت بين المسرح والسينما والتلفزيون، باعتبارها نموذجًا للفنان القادر على التعامل مع وسائط فنية متعددة، مستعيدًا كذلك تجارب إسماعيل ياسين ونجيب الريحاني في تاريخ التمثيل المصري.

الموهبة وحدها لا تصنع فنانًا
انتقل الغرباوي إلى قضية تكوين الممثل، مؤكدًا أن الموهبة ليست كافية وحدها لصناعة مشروع فني ناجح، وأن المعرفة النظرية لا تنفصل عن التدريب والممارسة. واستعرض عددًا من المدارس والنظريات التمثيلية، من بينها منهج ستانسلافسكي، والذاكرة الانفعالية، وما طرحه كتاب «لا تمثيلًا من فضلكم»، إلى جانب مدرسة ستيلا أدلر ومنهج سوزوكي المرتبط بالتعبير الجسدي.
وشدد على أهمية التعلم من خلال العمل مع مخرجين أصحاب تجارب مؤثرة، ومتابعة تجارب الآخرين، والمشاركة في الورش والماستر كلاس، ثم تحويل المعرفة المكتسبة إلى ممارسة فعلية.
وأشار إلى أن المعهد العالي للفنون المسرحية يمثل مرجعية مهمة لعلوم التمثيل في مصر والوطن العربي، لكن تطوير الفنان يتطلب أيضًا مواكبة متطلبات سوق العمل، وعدم الاكتفاء بالتحصيل الأكاديمي.
وفي هذا السياق، أشار إلى نماذج تهتم بالجانب التطبيقي في العملية التعليمية، من بينها الدكتورة إنجي البستاوي والدكتور عادل حسني، مؤكدًا أن التدريب العملي يمنح الدارس فرصة اختبار أدواته وتطوير قدراته والتعامل المباشر مع متطلبات الأداء.
واستعاد بعض محطات تجربته الفنية، من بينها مشاركته في فيلم «بنات وسط البلد» للمخرج محمد خان، ومسلسل «خيوط من نار» للمخرج جمال عبد الحميد، إلى جانب تجاربه الدرامية والمسرحية.
الميكرودراما.. اقتصاد الحكاية وتكثيف الأداء
خصص الغرباوي جانبًا أساسيًا من الماستر كلاس للميكرودراما، باعتبارها شكلًا دراميًا يفرض طبيعة مختلفة على الإنتاج والأداء، حيث تُقدم الحكاية في زمن قصير، بما يتطلب تكثيف الأحداث والتعبير، والوصول إلى المشاهد بصورة مباشرة دون إهدار للزمن.
وأوضح أن التحول إلى الإطار الرأسي، الذي تعتمد عليه الأعمال المصممة خصيصًا للهواتف المحمولة، لا يمثل مجرد تغيير في أبعاد الصورة، بل يفرض تحديات فنية على الممثل والمخرج ومدير التصوير، وكذلك على مراحل ما بعد الإنتاج، من التلوين إلى المكساج.
فالممثل في الكادر الرأسي يحتاج إلى وعي دقيق بحدود الصورة، وحركة جسده داخلها، ومدى ظهور يديه وقدميه والجزء العلوي من جسده، وفقًا لحجم اللقطة وتوجيهات المخرج.
وأشار إلى أن الإطار الأفقي يمنح صانع العمل مساحة أوسع لتوزيع العناصر وتعدد مستويات التكوين، بينما يفرض الإطار الرأسي حضورًا أكبر للممثل داخل الصورة، ويحد من حرية توزيع العناصر بصريًا، وهو ما يتطلب حلولًا مبتكرة في الديكور والإضاءة وحركة الكاميرا، حتى لا تتحول محدودية المساحة إلى فقر بصري.
وأضاف أن التحدي لا يتعلق بالتكوين وحده، بل يمتد إلى بناء الدلالات والعلامات البصرية داخل المشهد، وكيفية منح المتلقي مستويات متعددة للقراءة رغم ضيق الإطار.

الهاتف الذكي يفتح باب الإنتاج المستقل
لم يتعامل الغرباوي مع الميكرودراما باعتبارها مجرد صيغة جديدة للعرض، بل بوصفها فرصة لتوسيع قاعدة الإنتاج وإتاحة المجال أمام المواهب الشابة لصناعة مشروعاتها بإمكانات محدودة.
ووجه حديثه إلى صناع المحتوى والمواهب الموجودة في شرم الشيخ، داعيًا إلى تكوين فرق صغيرة واستثمار الأماكن والإمكانات المتاحة لتنفيذ أعمال درامية، مؤكدًا أن جودة العمل لا ترتبط فقط بحجم الإنتاج، وإنما بحسن اختيار مواقع التصوير، وحركة الكاميرا، وتوجيه الممثلين، والقرارات الإخراجية في المونتاج، ومنها القطع المفاجئ وحركة الكاميرا الأفقية.
واستعرض بعض تجاربه في تصوير أعمال خارج مصر، من بينها مسلسل «Level 2» في جورجيا ومسلسل «حب مستحيل» في بودابست، بمشاركة الفنان محمد صلاح آدم.
ولفت إلى أن تجارب الميكرودراما في الصين وكوريا الجنوبية لا تزال مجالًا مفتوحًا للتجريب والتطوير، ولا تتوافر لها حتى الآن مراجع تطبيقية كافية يمكن التعامل معها باعتبارها دليلًا موحدًا لصناعة هذا النوع من المحتوى.
وأعرب عن سعادته وقلقه في الوقت نفسه من خوض هذه التجربة، معتبرًا أن اكتشاف تحدياتها وصعوباتها يمكن أن يفتح الطريق أمام استخلاص خبرات علمية وأكاديمية تتحول مستقبلًا إلى دليل تطبيقي يستفيد منه صناع الميكرودراما.
الذكاء الاصطناعي مساعد.. وليس مبدعًا بديلًا
وفي محور التكنولوجيا، أكد الغرباوي أن الهواتف الذكية وأدوات التخطيط والتصوير الرقمي منحت الفنان إمكانات لم تكن متاحة من قبل، وأصبح بإمكانه أن يطور فكرته ويحولها إلى مشروع قابل للتنفيذ، مستعينًا بأدوات مثل الـStoryboard والـPrevis لتصور المشاهد قبل التصوير.
وتطرق إلى الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا تأييده الاستفادة منه في تطوير العملية الإنتاجية، خصوصًا في المؤثرات البصرية والموشن جرافيك ومراحل ما بعد التصوير، لكنه شدد على أنه يظل أداة مساعدة لا بديلًا عن الإبداع البشري.
فالفنان، بحسب رؤيته، يمتلك ذائقة خاصة وقدرة إنسانية على الإحساس والتأثير والتفاعل مع الجمهور، وهي عناصر لا ينبغي أن تتراجع أمام التطور التقني، بل يجب أن تظل هي صاحبة القرار في توظيف التكنولوجيا وتحديد اتجاهها.
واختُتم الماستر كلاس بعرض نماذج من المسلسلات التي قدمها الغرباوي، لتوضيح الفروق العملية في الأداء التمثيلي باختلاف الوسيط، وفتح باب النقاش أمام الحضور حول الميكرودراما ومستقبل التمثيل في ظل التحولات التكنولوجية.
من الخشبة إلى شاشة الهاتف، لا تتغير قيمة الممثل بقدر ما تتغير مسؤولياته. وهذه هي الفكرة التي حملها الماستر كلاس: أن اتساع أدوات الإنتاج لا يعفي الفنان من المعرفة والتدريب، وأن سهولة الوصول إلى الكاميرا لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على صناعة حكاية مؤثرة؛ فاللقطة قد تكون قصيرة، لكن الوصول إلى القلب يظل المهمة الأصعب.
