الجونة السينمائي يفتح حكايات نساء محمد خان

محمد قناوي يكتب:

لم يكن محمد خان يحتاج إلى أن يعلن انحيازه للمرأة في سينماه؛ كان يكفي أن يمنحها حق الحضور بوصفها إنسانة لها رغباتها وتناقضاتها وهزائمها وأحلامها، لا مجرد شخصية تدور في فلك الرجل، هذه هي الزاوية الأهم التي أعادت جلسة «حكايتها الخاصة: المرأة في سينما محمد خان»، ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي، فتحها في تجربة المخرج الراحل، بعد عشر سنوات على رحيله.

بمشاركة ليلى علوي وهنا شيحة والمونتيرة دينا فاروق، وإدارة الناقدة مي التلمساني، تجاوزت الجلسة استعادة الذكريات إلى محاولة فهم سر تميز الشخصيات النسائية في سينما خان، وكيف استطاع أن ينتزعها من القوالب الجاهزة، ويمنحها استقلالًا دراميًا لا يتوقف عند كونها حبيبة أو زوجة أو ضحية.

المرأة ليست ملحقًا بحكاية الرجل

في قراءة دينا فاروق، تكمن إحدى أهم خصائص سينما محمد خان في أن المرأة لم تكن تابعًا للرجل، ولا مجرد أداة لتحريك حكايته، بل شخصية تمتلك دوافعها ومسارها الخاص، وتؤثر في الأحداث وتصنع اختياراتها، حتى عندما تقودها تلك الاختيارات إلى الخسارة.

هذه الرؤية لا تعني أن خان قدم نساء مثاليات أو انتصر لهن بخطاب مباشر، بل إنه اقترب منهن بعيوبهن وتناقضاتهن، بعيدًا عن التصنيفات الأخلاقية التي تختزل الشخصية في صورة الضحية أو المرأة القوية أو المتمردة. ومن «موعد على العشاء» إلى «أحلام هند وكاميليا» و«بنات وسط البلد»، تتعدد النماذج النسائية بتعدد البيئات والطبقات والظروف، من دون أن تفقد خصوصيتها الإنسانية.

هنا تتجاوز أهمية تجربة خان مسألة زيادة مساحة المرأة على الشاشة؛ فالقيمة الحقيقية أنه منحها حق أن تكون مركز الحكاية، لا هامشًا فيها، وأن تُفهم من داخل عالمها، لا من خلال نظرة الرجل إليها وحدها.

ليلى علوي.. من صورة الجميلة إلى عمق الشخصية

تمنح شهادة ليلى علوي هذه الرؤية بعدًا عمليًا؛ فقد تحدثت عن قدرة خان على التقاط التفاصيل الصغيرة والمشاعر الداخلية، وصناعة شخصيات تبدو مألوفة لأنها مستمدة من الحياة، لا من تصورات مسبقة عن المرأة.

وتبدو تجربتها في «خرج ولم يعد» مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ أسهم الفيلم في تغيير الصورة التي ارتبطت بها في بداياتها، من فتاة جميلة إلى ممثلة قادرة على تجسيد شخصية تنتمي إلى بيئة مختلفة، وتتحرك داخلها بصورة طبيعية. ولم يكن التعامل المباشر مع الريف وتفاصيله مجرد إعداد للدور، بل جزءًا من منهج خان في جعل الممثلة تعيش العالم الذي تنتمي إليه الشخصية، بدلًا من الاكتفاء بتمثيله.

هنا شيحة.. الممثلة قبل الصورة

أما هنا شيحة، التي شاركت خان تجربة «قبل زحمة الصيف»، فتوقفت عند طريقته في التعامل مع الممثلين، وكيف تبددت رهبتها منه خلال لقاء طويل تحول إلى صداقة، ثم انعكس ذلك على سلاسة العمل أمام الكاميرا.

وتكشف شهادتها عن جانب آخر من منهج خان: البحث عن الشخصية قبل مظهرها، وعن تلقائيتها قبل سعيها إلى إرضاء الكاميرا. فالمرأة في عالمه ليست صورة مثالية للجمال، وإنما إنسانة عادية تكتسب جاذبيتها من حضورها وسلوكها وتفاصيلها اليومية.

إرث يتجاوز الاحتفاء بالذكرى

تتقاطع شهادات الممثلتين مع قراءة دينا فاروق عند نقطة جوهرية: لم يكن استقلال المرأة في سينما محمد خان مجرد مساحة تمنحها للممثلة كي تتألق، بل كان جزءًا من بناء الفيلم ورؤيته للعالم. فحين تصبح الشخصية النسائية أكثر تعقيدًا وحرية في الاختيار، تصبح الحكاية نفسها أكثر ثراءً وصدقًا.

ومع ذلك، فإن استعادة تجربة خان لا ينبغي أن تتحول إلى احتفاء عاطفي يضعها خارج النقد أو يختزلها في صورة المخرج الذي فهم المرأة أكثر من غيره؛ الأهم هو قراءة أفلامه نفسها، واكتشاف كيف صنعت الكتابة والأداء والمونتاج والصورة هذه الشخصيات، وما الذي يجعلها قادرة على الحياة خارج زمن إنتاجها.

بهذا المعنى، لم تكن جلسة الجونة مجرد تكريم لذكرى مخرج رحل، بل تذكيرًا بأن تجديد صورة المرأة سينمائيًا لا يتحقق بالشعارات أو بتوسيع مساحة ظهورها وحدها، وإنما بمنحها شخصية مستقلة وحكاية تستحق أن تُروى. وربما كان هذا أحد أهم ما تركه محمد خان للسينما المصرية: أن المرأة لا تحتاج إلى أن تكون استثناءً كي تصبح بطلة، بل تحتاج إلى مخرج يراها كما هي، بكل ما في حياتها من قوة وضعف وتناقض.