«روميو وجولييت».. شكسبير على إيقاع إسباني في ظفار المسرحي

بقلم : محمد قناوي

هناك نصوص لا يمكن إعادة تقديمها بالطريقة نفسها، لأن تكرارها يعني موتها ببطء، و«روميو وجولييت» في مقدمة هذه النصوص؛ حكاية يعرف الجمهور نهايتها قبل أن تبدأ، وشخصيات تجاوزت حدود المسرح لتصبح أيقونات للحب المستحيل، لذلك لا تكمن صعوبة تقديم شكسبير اليوم في رواية حكايته، وإنما في العثور على سبب جديد لروايتها.

من هنا تأتي مغامرة العرض الإسباني «روميو وجولييت»، لفرقة باليه برشلونة للفلامنكو، وإخراج David Gutiérrez، الذي قدم ضمن مسابقة عروض النخبة في الدورة الثانية من مهرجان ظفار الدولي للمسرح، بعد جولات في مهرجانات دولية بينها” أفينيون وإدنبرة ومهرجان سيبيو في رومانيا”.

وعلى مسرح أوبار بالمديرية العامة للتراث والسياحة بصلالة، لم يدخل شكسبير هذه المرة من بوابة الحوار، وإنما من بوابة الجسد والإيقاع والموسيقى والصورة، وهنا تحديدًا تكمن قوة العرض ومصدر مجازفته في آن واحد.

شكسبير يخلع ثوب النص

المخرج لا يتعامل مع «روميو وجولييت» بوصفها نصًا مقدسًا يجب استعادته حرفيًا، بل باعتبارها مادة قابلة لإعادة التشكيل. فتنتقل القصة من فضاء الحوار الشكسبيري إلى فضاء الفلامنكو، والرقص المعاصر، والغناء، والموسيقى الحية، والجاز.

تظل الحكاية الأصلية حاضرة،” عاشقان شابان يقفان في مواجهة عداوة عائلتي مونتاغ وكابوليت”، فيصبح الحب فعل مقاومة، ويصبح الموت النتيجة الأخيرة لصراع لم يصنعاه، لكن ما يتغير هو طريقة التعبير عن هذا الصراع، فالسيوف لا تتحدث وحدها، والأجساد تصبح سيوفًا أخرى، والعداء لا يظهر فقط في الكلمات، بل في المسافات بين الراقصين، وفي التكوينات الجماعية، وفي حركة الجسد حين يقترب أو يبتعد أو ينكسر، هذه ليست مجرد ترجمة شكسبيرية إلى الفلامنكو؛ إنها محاولة لنقل الصراع من منطقة اللغة إلى منطقة الإحساس.

الجسد يكتب ما حذفه الحوار

أكثر ما يلفت في التجربة أن الرقص ليس فقرة استعراضية تضاف إلى المسرحية، وإنما أحد مكوناتها الدرامية، فالجسد هنا يتكلم، وحين تتحرك المجموعة باعتبارها كتلة واحدة في مواجهة الفرد، يصبح المجتمع حاضرًا على الخشبة بوصفه قوة ضاغطة، وحين يحاول روميو وجولييت الاقتراب، تتحول المسافة بينهما وبين الآخرين إلى ترجمة بصرية للحواجز التي صنعتها العائلة والهوية والانتماء

هذه من أكثر المناطق ذكاءً في المعالجة؛ لأن مأساة «روميو وجولييت» في جوهرها ليست مأساة عاشقين فقط، وإنما مأساة فرد يحاول أن يختار في عالم قرر أن يختار نيابة عنه، لكن هنا يبدأ الاختبار الأصعب، فالرقص قادر على التعبير عن الانفعال، لكنه أقل قدرة على حمل التعقيد النفسي والفكري الذي يمنح الشخصيات عمقها.

وكلما اتسعت مساحة الحركة، يصبح مطلوبًا من الأداء أن يعوض ما فقده النص من تفصيل داخلي، وهذا ليس أمرًا سهلًا، فالخطر أن يتحول روميو وجولييت إلى جسدين جميلين داخل منظومة أدائية مبهرة، بينما تتراجع الشخصيتان نفسيهما إلى الخلف.

الفلامنكو.. هوية أم قناع؟

اختيار الفلامنكو لم يكن مجرد اختيار جمالي، الفلامنكو بطبيعته يحمل توترًا داخليًا بين الكبرياء والانكسار، بين الرغبة والألم، وبين الجسد الذي يبدو مسيطرًا والجسد الذي يخفي جرحه، ولهذا يبدو ملائمًا جدًا لمأساة عاشقين محاصرين بين الحب والكراهية، الخطوات الحادة، الإيقاعات المتوترة، ضربات القدم، حركة اليدين والجسد، والتكوينات الجماعية، كلها تخلق قاموسًا بصريًا قادرًا على التعبير عن عالم تتحول فيه العاطفة إلى صراع.

لكن السؤال الهام لا يتعلق بملاءمة الفلامنكو لشكسبير، وإنما بمدى نجاح العرض في استخدام الفلامنكو لتفسير شكسبير، فالهوية الإسبانية تصبح ذات قيمة درامية عندما تكشف شيئًا جديدًا في الحكاية، لا عندما تكون مجرد غلاف جذاب لها، وهنا يظل العرض واقفًا على الخط الفاصل بين الاحتمالين

الموسيقى الحية

الموسيقى الحية من العناصر التي تمنح العرض خصوصيته، الجيتار والغناء والإيقاعات الإسبانية، مع حضور الجاز والارتجال، لا تصنع خلفية موسيقية فحسب، بل تضع الجمهور داخل لحظة أدائية تحدث أمامه مباشرة، العازفين ليسوا خارج الحكاية تمامًا؛ إنهم جزء من مناخها، ومن قدرتها على الانتقال بين الحزن والشغف والتوتر والانفجار، لكن الموسيقى، مثل الرقص، تواجه السؤال نفسه، هل تصنع المعنى أم تصنع المزاج؟.. الفرق جوهري، فعندما يصبح الإيقاع ترجمة للصراع، تتحول الموسيقى إلى دراما، أما عندما تكتفي بصناعة حالة وجدانية حول الحدث، فإنها تظل عنصرًا جماليًا مهما بلغت جودتها.

والعرض، في رهانه الكبير على الموسيقى، يحتاج إلى أن يضمن دائمًا أن الإيقاع لا يسبق الحكاية، وأن الانفعال الموسيقي لا يصبح بديلًا عن تطور الصراع.

وحدة أسلوبية واضحة

التمثيل والرقص والغناء والموسيقى والإضاءة والأزياء والديكور تتحرك داخل منظومة واحدة، وليس باعتبارها وحدات منفصلة، وهذه الوحدة تمنحه شخصية مستقلة، والأزياء والأنسجة والأشكال والألوان لا تبدو مجرد تفاصيل تشكيلية، بل تدخل في بناء ثنائية الحب والكراهية، بينما تعمل الإضاءة على تشكيل الفضاء وتغيير حالاته.

تحرير النص الكلاسيكي

قيمة «روميو وجولييت» الإسبانية لا تأتي من كونها قدمت شكسبير بصورة مختلفة فقط، وإنما من أنها وضعت سؤالًا حقيقيًا حول إمكانية تحرير النص الكلاسيكي من هيمنة الكلمة دون تحريره من جوهره، العرض لا يريد أن يشرح الحب؛ يريد أن يجعله حركة، ولا يريد أن يصف الكراهية؛ يريد أن يجعلها كتلة بشرية تتحرك على الخشبة، ولا يريد أن يخبرنا بأن العاشقين محاصران؛ يريد أن يجعل الحصار مرئيًا، وهذه اختيارات مسرحية مشروعة وذكية، لكنها تظل مشروطة بقدرتها على حماية القلب الإنساني للحكاية، لأن التجريب لا يقاس بكمية ما يهدمه من المألوف، وإنما بما يعيد بناءه.

مغامرة مسرحية واضحة

«روميو وجولييت» لفرقة باليه برشلونة للفلامنكو، بإخراج David Gutiérrez، مغامرة مسرحية واضحة الرغبة في الخروج من أسر القراءة التقليدية، وتحويل شكسبير إلى لغة تتكون من الجسد والموسيقى والغناء والصورة.

نجاح التجربة الأوضح يكمن في امتلاكها لغة أدائية خاصة؛ فلا يبدو الفلامنكو ضيفًا على النص، ولا الموسيقى الحية مجرد مصاحبة، ولا الرقص استعراضًا منفصلًا، وإنما تدخل هذه العناصر في تشكيل عالم العرض، لكن المجازفة الكبرى تكمن في المكان نفسه، كلما ازداد بريق الشكل، أصبح مطلوبًا منه أن يبرر حضوره دراميًا، وهنا تظل المسافة بين إعادة القراءة وإعادة التقديم هي المعيار الحقيقي لفهم التجربة، فالعرض لا يعيد اكتشاف نهاية «روميو وجولييت»؛ فالنهاية معروفة، لكنه يحاول أن يجعلنا نصل إليها عبر طريق مختلف، وهذا هو رهانه الحقيقي.