كان – عبدالستار ناجي
يدهشنا النجم الإسباني خافيير بارديم في فيلمه الجديد «الحبوبة»، الذي يجسد خلاله شخصية مخرج سينمائي يلتقي بابنته بعد سنوات من الغياب، لتعمل معه في فيلم من إخراجه، ضمن دراما إنسانية متوهجة بالمواجهات والانفعالات والأحاسيس المتفجرة.
يقدم بارديم أداءً ساحرًا وثريًا بالتجليات النفسية، يؤكد مرة أخرى أننا أمام قامة سينمائية كبرى تمتلك قدرة استثنائية على الغوص في أعماق الشخصية وتحويلها إلى كائن نابض بالتوتر والوجع والهيمنة.
ويشاركه البطولة النجمة المسرحية والسينمائية الإسبانية فيكتوريا لونغو، في أحدث أفلام المخرج الإسباني رودريغو سوروجوين، الذي يروي قصة تصوير فيلم يكاد يخرج عن مساره تحت ضغط العلاقة المعقدة بين أب وابنته.
السينما داخل السينما
في العام الماضي، شاهدنا ضمن اختيارات مهرجان كان السينمائي فيلم «القيمة العاطفية» للمخرج الدنماركي يواكيم ترير، والذي تناول أيضًا علاقة مخرج بابنته الممثلة. وتظل العلاقة مع السينما ذاتها حاضرة في العديد من الأعمال، بدءًا من رائعة فيدريكو فيلليني «ثمانية ونصف»، وصولًا إلى أعمال أخرى جعلت من المخرج شخصية متسلطة ومأزومة، كما في فيلم «الاحتقار» للمخرج جان لوك غودار، وربما بعض الإشارات في فيلم «الإسكندرية – نيويورك» للمخرج يوسف شاهين.
كآبة مقصودة
في فيلم «الحبوبة» (El Ser Querido)، يقدم سوروجوين دراما من وراء الكواليس، لكنه يضيف إليها جرعة كثيفة من التوتر والكآبة التي تهيمن على موقع التصوير. أحيانًا تصل هذه الحالة إلى درجة تدفع المشاهد للرغبة في الصراخ: «قَطْع».
ويتجلى ذلك بوضوح في مشهد الطعام الذي يعاد تصويره مرات عدة، حيث يحاول المخرج – الأب – تمرير رسائل خفية إلى فريق العمل، وإلى ابنته على وجه الخصوص. ويبدو أن سوروجوين يفضل الاشتغال على ثيمة الكآبة بوصفها مادة خصبة لتفجير الطاقات الكامنة لدى ممثليه، كما فعل سابقًا في فيلمه «الوحوش» عام 2023.

أب يتحول إلى ديكتاتور
تدور أحداث الفيلم حول المخرج الشهير إستيبان مارتينيز، الحائز على جائزتي أوسكار، والذي يعود من منفاه في نيويورك إلى إسبانيا لإخراج فيلم تاريخي تدور أحداثه في الصحراء الإسبانية، المرتبطة تاريخيًا بمنطقة الصحراء الغربية في شمال إفريقيا.
ويقرر مارتينيز إسناد الدور الرئيسي إلى ابنته الكبرى إميليا، التي لم يسبق لها سوى المشاركة في عدد محدود من الأعمال التلفزيونية. وتقدم فيكتوريا لونغو الشخصية باقتدار لافت، متنقلة بذكاء بين التحولات النفسية والانفعالية للدور.
بعد مشهد افتتاحي هادئ يجمع الأب بابنته داخل أحد المقاهي لعقد الاتفاق، تنتقل الأحداث مباشرة إلى الصحراء حيث تبدأ كواليس التصوير عام 1932، وسط إيقاع متسارع يكشف تدريجيًا الوجه الحقيقي للمخرج.
في البداية يبدو مجرد مخرج مغرور يحاول السيطرة على إنتاج معقد، لكن سرعان ما يتحول إلى ديكتاتور مطلق داخل موقع التصوير. ويبلغ ذلك ذروته في مشاهد قاسية ومؤلمة، لكنها تحمل في الوقت نفسه شيئًا من السخرية السوداء، خصوصًا في طريقة تعامله مع الممثلين والفنيين.
ويصل أداء خافيير بارديم هنا إلى ذروة التوهج، إذ يتقمص شخصية المخرج المتسلط بصورة تجعل المشاهد مشدودًا إلى كرسيه، وهو يراقب انهيار العلاقة الإنسانية بين الأب وابنته، وتحول موقع التصوير إلى مساحة مشحونة بالغضب والانفجار العاطفي.
مواجهة مؤجلة
في لحظات المواجهة الكبرى، تتهم الابنة والدها بالإدمان وسوء التصرف والتخلي عنها وعن والدتها، لتنكشف تدريجيًا طبقات الألم المتراكمة بينهما. وعلى الرغم من محاولاته ترميم العلاقة، فإن الهوة تبدو أعمق من أن تردم بسهولة.
ويقدم الفيلم عرضًا جديدًا لمهارة سوروجوين في خلق أجواء التوتر النفسي، رغم الملاحظة الواضحة المتعلقة بضعف الصلة الدرامية بين الفيلم الأصلي والفيلم الداخلي الذي تدور أحداثه في الصحراء، إذ كان من الممكن توظيف تلك البيئة بصورة أكثر رمزية لتعكس تصحر العلاقة بين الأب وابنته.
ومع ذلك، يبقى «الحبوبة» تجربة سينمائية مميزة، مدفوعة بأداء جبار من خافيير بارديم، يقابله حضور قوي لفيكتوريا لونغو،التي تنجح في التنقل بين الحالات الدرامية المختلفة بذكاء واحترافية.
ويبقى أن نقول: سينما من نوع مختلف، تضع المشرط فوق جرح العلاقات المتوترة، لينفجر الألم… والإبداع… والمتعة.
