كان – عبدالستار ناجي
شكّل فيلم الوحش اللطيف إحدى أبرز مفاجآت مهرجان كان السينمائي، لما يطرحه من قضية شديدة الحساسية والخطورة تتعلق بالاعتداءات الجنسية داخل الأسرة، وبالتحديد تحرش الآباء بالأطفال.
الفيلم من توقيع المخرجة النمساوية ماري كرويتزر، التي أوضحت خلال المؤتمر الصحفي الخاص بالفيلم أنها لا تسعى إلى “مهاجمة الرجال”، بقدر ما تحاول “مهاجمة النظام”، في إشارة إلى البنية الاجتماعية التي قد تسمح بإخفاء العنف خلف الوجوه الهادئة والعلاقات المستقرة ظاهريًا.
لعبة شكّ مرعبة داخل بيت هادئ
ينتمي الفيلم إلى نوعية الأعمال التي تبني توترها النفسي بهدوء شديد، قبل أن تدفع المشاهد إلى حالة من القلق والترقب المستمر، حيث يجد نفسه متورطًا في لعبة الأسئلة والشكوك، تمامًا كما تعيش البطلة حالة الانتظار المرعب لمعرفة الحقيقة.
وتقودنا ماري كرويتزر عبر سيناريو شديد الذكاء والتعقيد إلى حكاية “لوسي”، الموسيقية الفرنسية التي تؤدي دورها النجمة ليا سيدو، والتي تنتقل مع شريكها المخرج فيليب وابنهما الصغير إلى الريف بحثًا عن حياة هادئة ومستقرة.
لكن هذا الهدوء يتحطم فجأة مع مداهمة الشرطة لمنزل الأسرة، واكتشاف أن الزوج متورط في قضية إساءة معاملة أطفال، لتبدأ رحلة نفسية قاسية تعيشها الزوجة والأم وهي تواجه السؤال الأصعب:
هل يمكن أن يكون الرجل الذي أحبته وشاركت معه حياتها قد اعتدى بالفعل على طفلهما؟

امرأتان في مواجهة العنف الخفي
لا يكتفي الفيلم بخط الحكاية الرئيسي، بل يبني سردًا موازيًا عبر شخصية المحققة “إلسا كوهن”، التي تؤدي دورها جيلا هاس، وهي امرأة تعيش بدورها آثار صدمات قديمة مرتبطة بوالدها.
ومن خلال هذا الخط المتوازي، يفتح الفيلم بابًا أوسع للنقاش حول العنف الصامت داخل الأسر، وكيف يمكن للنساء أحيانًا أن يعشن عمرًا كاملًا وهن يحاولن إصلاح حياة الرجال المحيطين بهن، أو تجاهل الجوانب المظلمة في شخصياتهم حفاظًا على استقرار الحياة.
وتبدو هذه الفكرة محورًا أساسيًا في الفيلم، الذي يكرر بصريًا ودراميًا حقيقة مرعبة:
الشر قد يصدر أحيانًا عن أكثر الأشخاص لطفًا وهدوءًا.
كاثرين دينوف.. حضور يرسخ فكرة الاستقلال
ويشهد الفيلم حضور النجمة الفرنسية الكبيرة كاثرين دينوف في دور “إيلويز”، والدة لوسي، وهي امرأة قوية ومستقلة عاشت حياتها وفق اختياراتها الخاصة، وحاولت دائمًا أن تدفع ابنتها للحفاظ على استقلاليتها.
ومن خلال هذه الشخصية، يناقش الفيلم فكرة استقلال المرأة داخل العلاقات العاطفية، خصوصًا عندما يكون الطرفان شغوفين بعملهما، ثم تأتي مسؤولية الأطفال لتجعل هذا التوازن أكثر هشاشة وتعقيدًا.
ليا سيدو..أداء يخترق الأعصاب
تقدم ليا سيدو واحدًا من أبرز أدوارها السينمائية، متنقلة بسلاسة بين المرأة العاشقة، والأم القلقة، والزوجة الممزقة بين الحب والخوف، وصولًا إلى امرأة مستعدة للتضحية بكل شيء من أجل حماية طفلها.
ويعتمد الفيلم على إيقاع متوتر ومتسارع نفسيًا، يخنق المشاهد تدريجيًا، ويجعله في حالة يقظة دائمة تجاه فكرة الخطر القريب، لا القادم من الغرباء، بل من الدائرة الأقرب داخل البيت نفسه.

سينما تواجه المسكوت عنه
ينجح الوحش اللطيف في تقديم معالجة إنسانية ونفسية معقدة لقضية شديدة القسوة، دون الوقوع في المباشرة أو الخطابة، بل عبر بناء درامي يشتغل على الإنسان والأسرة والطفولة والهشاشة النفسية.
إنه فيلم لا يكتفي بإثارة الصدمة، بل يدفع المشاهد إلى إعادة التفكير في الثقة والعلاقات العائلية وحدود الأمان داخل البيت الواحد.
وقبل النهاية، يهمس الفيلم برسالة موجعة وواضحة: أحيانًا يكون الخطر الأقرب إلى الأطفال هو الأقرب إليهم أيضًا.
