مهرجان كان السينمائي 2026: «صدفة».. ريوسوكي هاماجوتشي يداوي العالم بإنسانية السينما

كان – عبدالستار ناجي

يواصل المخرج الياباني ريوسوكي هاماجوتشي ترسيخ مكانته كأحد أبرز الأصوات السينمائية المعاصرة، عبر مشروعه الجديد «صدفة» أو «كل شيء بالصدفة» وفق ترجمته الإنجليزية، وهو العمل الذي ينافس ضمن المسابقة الرسمية لـ مهرجان كان السينمائي، مقدماً تجربة إنسانية عميقة تتأمل المرض والموت والرعاية من منظور شديد الحساسية والدفء.

ويعد هاماجوتشي، المولود عام 1978، من المخرجين الذين انشغلوا دائماً بالأسئلة الإنسانية والاجتماعية الكبرى، منذ أعماله الأولى مثل وكان شيئًا لم يكن وعاطفة، وصولاً إلى تحفته الشهيرة قد سيارتي التي رسخت حضوره العالمي.

حكاية رعاية تتجاوز الطب إلى المعنى الإنساني

الفيلم مستوحى بصورة فضفاضة من الكتاب الواقعي «أنتِ وأنا – المرض يزداد سوءًا فجأة» للكاتبتين ماكيكو ميانو وماهو إيسونو، وهو إنتاج مشترك بين فرنسا واليابان وألمانيا وبلجيكا، جرى تصويره بين فرنسا واليابان.

وتدور الأحداث حول مديرة دار لرعاية المسنين في ضواحي باريس، تؤدي دورها الممثلة الفرنسية البلجيكية فيرجيني إيفيرا، التي تسعى إلى تطبيق أسلوب علاجي قائم على مفهوم “الإنسانية”، في مواجهة مؤسسات صحية تنظر إلى المرضى بمنطق مادي بحت، يحول الإنسان إلى مجرد رقم أو سلعة.

وتتغير حياتها بالكامل حين تلتقي بالمخرجة اليابانية ماري موريسكي، التي تجسد شخصيتها الممثلة تاو أوكاموتو، وهي كاتبة مسرحية تعاني مرضًا عضالًا، لتنشأ بين المرأتين علاقة إنسانية عميقة تعيد تعريف معنى الرعاية والحضور العاطفي والموت.

أداء هادئ .. ومواجهة مؤثرة مع المرض

يقدم الفيلم مباراة تمثيلية عالية المستوى بين بطلتَيه، حيث يعتمد هاماجوتشي على الأداء الهادئ الرصين، القادر على التقاط التحولات النفسية الدقيقة للشخصيات، خصوصًا مع التدهور الصحي التدريجي الذي تمر به “ماري”.

وتنمو العلاقة بين السيدتين بعد استضافة المخرجة اليابانية داخل دار الرعاية، ليس فقط للعلاج، بل أيضًا للمشاركة في ورش تعتمد على الحركة والتأمل والتواصل النفسي مع المرضى، لتصبح الرعاية هنا فعلًا إنسانيًا وروحيًا يتجاوز المفهوم الطبي التقليدي.

رسائل حقيقية ألهمت الفيلم

استلهم ريوسوكي هاماجوتشي الفيلم من الرسائل المتبادلة بين الفيلسوفة ماكيكو ميانو وعالمة الأنثروبولوجيا الطبية ماهو إيسونو، والتي تناولت تأملات عميقة حول الحياة والمرض والموت، في وقت كانت فيه ميانو تصارع سرطان الثدي النقيلي، قبل أن تفارق الحياة بعد أيام قليلة من كتابة مقدمة الكتاب.

وقد كشف هاماجوتشي أنه تلقى عروضًا عديدة عقب النجاح الكبير لفيلم قد سيارتي، لكنه لم ينجذب إلى هذا المشروع إلا بعد تأثره العميق بالمراسلات الإنسانية بين المرأتين، ليعمل على تطوير الفيلم لمدة عامين كاملين، متنقلًا بين فرنسا واليابان، ومقيمًا ورشًا مع ممثلين فرنسيين لدراسة الأداء وطبيعة التفاعل الإنساني داخل العمل.

جسر ثقافي بين فرنسا واليابان

ومن أجل دورها، تعلمت فيرجيني إيفيرا اللغة اليابانية بإتقان لافت، بينما حرص هاماجوتشي على بناء جسر ثقافي وإنساني بين فرنسا واليابان من خلال مفهوم “الإنسانية” العلاجي، وهو أسلوب فرنسي انتقل لاحقًا إلى اليابان، ويقوم على وضع البعد الإنساني في صميم الرعاية الصحية.

الفيلم لا يكتفي بسرد حكاية مرض أو صداقة، بل يطرح عبر حواراته الفلسفية أسئلة جوهرية حول معنى الرعاية، وكرامة الإنسان، وكيف يمكن للمؤسسات أن تفقد إنسانيتها حين تتحول الصحة إلى مشروع اقتصادي بحت.

سينما هادئة تنحت داخل الروح

ورغم امتداد زمن الفيلم إلى ثلاث ساعات وست عشرة دقيقة، فإن الإيقاع ظل متماسكًا ومتدرجًا، مع قدرة واضحة على الحفر داخل الذات الإنسانية، ليس فقط عبر الشخصيات الرئيسية، بل أيضًا من خلال الشخصيات الثانوية التي تبدو عابرة ظاهريًا، لكنها تحمل عمقًا إنسانيًا ثريًا.

ويصل الفيلم إلى ذروته المؤثرة مع مشهد نثر رماد المخرجة اليابانية في الريف الذي كانت تعيش فيه، بينما تواصل مديرة دار الرعاية عملها اليومي، في خاتمة شديدة الشاعرية تؤكد أن الحياة تستمر، وأن الأثر الإنساني الحقيقي يبقى حاضرًا حتى بعد الرحيل.

نموذج راقٍ للإنتاج السينمائي المشترك

يؤكد «صدفة» أن التعاون السينمائي المشترك يمكن أن ينتج أعمالًا تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، ليقدم ريوسوكي هاماجوتشي فيلمًا إنسانيًا بالغ الرهافة، يستحق مكانه في المسابقة الرسمية لـ مهرجان كان السينمائي.

ويبقى القول: هكذا تكون السينما حين تصنع بالإنسانية أولًا.