«وش الصبح» ..عودة إنسانية لـ عمر عبد العزيز: حين ترى الكاميرا ما لا تراه العين

في خطوة تعكس انحياز السينما لقضايا الإنسان وقدرتها على إعادة تعريف الممكن، أعلن المركز القومي للسينما برئاسة الدكتور أحمد صالح الانتهاء من إنتاج الفيلم التسجيلي «وش الصبح»، للمخرج عمر عبد العزيز، في عمل يحمل طابعًا إنسانيًا خاصًا، ويضع عالم ذوي الإعاقة في قلب الصورة، لا على هامشها.

الفيلم لا يكتفي بطرح قضية، بل يذهب أبعد من ذلك، ليعيد صياغة العلاقة بين الفن والقدرة، بين الرؤية والبصيرة، عبر تجربة استثنائية لبطلة حقيقية تكسر المفاهيم التقليدية عن الإبداع وحدوده.

من الحكاية إلى المعنى .. سيرة استثنائية

ينطلق «وش الصبح» من قصة إسراء، أول مصورة سينمائية كفيفة، التي تتحول رحلتها الشخصية إلى محور العمل، كتب السيناريو الكاتب الصحفي سيد محمود سلام، في صياغة تميل إلى الاقتراب من التفاصيل اليومية، حيث لا تقدَّم البطلة كحالة استثنائية فقط، بل كنموذج إنساني يعيد تعريف الإرادة.

يرصد الفيلم مراحل تكوينها منذ الطفولة، مرورًا بتعلمها التعامل مع الكاميرا، من التصوير الفوتوغرافي إلى الفيديو، في مفارقة بصرية شديدة الدلالة: كيف يمكن لمن لا يرى أن يصنع صورة؟، وهنا تكمن قوة الفيلم، في طرحه للسؤال دون أن يقدّم إجابة جاهزة، تاركًا للتجربة نفسها أن تتحدث.

عودة مخرج .. برؤية مختلفة

يمثل «وش الصبح» عودة للمخرج عمر عبد العزيز إلى الإخراج، لكنها ليست عودة تقليدية، بل محمّلة برؤية أكثر نضجًا ووعيًا بدور السينما، فالفيلم لا يتعامل مع الإعاقة بوصفها عائقًا دراميًا، بل كمدخل لاكتشاف طاقات كامنة، وقدرة الإنسان على إعادة تشكيل أدواته الخاصة.

هذا التوجه يعكس إيمان المخرج بأن السينما ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة فاعلة في إعادة طرح الأسئلة الاجتماعية، وتوسيع دائرة الرؤية.

الأسرة .. الحاضنة الأولى للحلم

لا يغفل الفيلم عن إبراز دور الأسرة في تشكيل تجربة إسراء، حيث تتحول إلى عنصر داعم ومحفّز، لا مجرد خلفية.، ذا الحضور يمنح العمل بعدًا واقعيًا، ويؤكد أن الإنجاز الفردي غالبًا ما يكون نتاج بيئة تؤمن بالقدرة قبل أن تعترف بها.

على مستوى التنفيذ، يعتمد الفيلم على فريق تقني يضم مدير التصوير مينا مينيس ومصطفى نبيل، وموسيقى تامر كروان، في محاولة لبناء عالم بصري وسمعي قادر على التعبير عن تجربة تقوم أساسًا على غياب الرؤية البصرية، وهنا تبرز مفارقة جمالية، الفيلم الذي يتناول “فقدان البصر” يصبح معنيًا أكثر من غيره بابتكار لغة بصرية حساسة، تعوّض هذا الغياب، بل وتحوّله إلى مصدر إلهام.

سينما تتجاوز الشفقة إلى التمكين

أحد أهم إنجازات «وش الصبح» أنه يتجنب الوقوع في فخ “الطرح العاطفي السهل”، فلا يقدّم بطله بوصفه موضوعًا للشفقة، بل نموذجًا للتمكين، الفيلم لا يراهن على إثارة التعاطف، بل على إقناع المشاهد بإعادة النظر في مفهوم القدرة ذاته.

يأتي العمل في إطار توجه المركز القومي للسينما لدعم التجارب الإنسانية الملهمة، وتقديم نماذج واقعية تتحدى الصور النمطية، وتفتح المجال أمام قصص جديدة، تثبت أن الإبداع لا يرتبط بشرط واحد، ولا يخضع لقالب ثابت.

«وش الصبح» ليس مجرد فيلم تسجيلي عن تجربة ملهمة، بل بيان سينمائي هادئ يؤكد أن الرؤية ليست فعل عين فقط، بل فعل وعي وإرادة، ومن خلال هذه الحكاية البسيطة والعميقة في آن، ينجح العمل في إعادة طرح سؤال جوهري: هل نرى العالم كما هو..أم كما نملك الشجاعة لأن نراه؟