محمد قناوي يكتب: «أسد»..مشروع سينمائي مختلف أم محاولة جديدة لصناعة أسطورة جماهيرية؟

المؤتمر الصحفي لفيلم «أسد» الذي عقد مساء امس- الاحد- لم يكن مجرد لقاء تقليدي للترويج لفيلم جديد قبل عرضه بـ48 ساعة، بل بدا أقرب إلى إعلان نوايا لمشروع سينمائي يريد إعادة تعريف صورة البطل الشعبي في السينما المصرية، وفتح الباب أمام نوعية أفلام تاريخية ضخمة الإنتاج ظلت غائبة لسنوات طويلة عن السوق المحلي.

منذ اللحظة الأولى، كان واضحًا أن صناع الفيلم يدركون أنهم لا يقدمون مجرد فيلم عيد، بل يطرحون مشروعًا يراهن على تغيير قواعد اللعبة، سواء على مستوى صورة محمد رمضان، أو شكل الإنتاج السينمائي التجاري، أو حتى العلاقة بين “الفيلم الجماهيري” و”الفيلم الفني”.

محمد رمضان.. محاولة إعادة التمركز فنيًا

اللافت في حديث محمد رمضان أنه بدا حريصًا على تقديم نفسه بصورة مختلفة عن تلك التي ارتبطت به خلال السنوات الماضية، فهو لم يتحدث هذه المرة بلغة “النجم الأوحد” أو “الرقم واحد”، – وإن كان قال بشكل عابر أنه النجم الاغلي- ، بل ركّز بشكل متكرر على فكرة المنظومة المتكاملة، وأعاد الفضل إلى فريق العمل بالكامل، من مدير التصوير إلى مهندس الصوت والمونتير والديكوروالازياء.

هذا التحول في الخطاب ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعكس إدراكًا واضحًا بأن «أسد» يمثل بالنسبة له محاولة للانتقال من مرحلة “النجم الجماهيري المثير للجدل” إلى “الممثل الذي يبحث عن الاعتراف الفني الكبير”، حتى وصفه للفيلم بأنه أول فيلم في طريقه السينمائي الجديد، يحمل اعترافًا ضمنيًا بأن ما قبل «أسد» شيء، وما بعده قد يكون شيئًا آخر تمامًا.

الأهم أن رمضان بدا مدركًا لحساسية صورته الجماهيرية، لذلك ركّز على البعد الإنساني للشخصية؛ عبدٌ مسحوق، عاشق مرفوض، إنسان معذّب نفسيًا قبل أن يكون بطلاً ملحميًا، وهنا تحديدًا يحاول الفيلم ـ وفق تصريحات صناعه ـ تفكيك “أيقونة البطل الخارق” التي التصقت بمحمد رمضان، لصالح بطل هشّ إنسانيًا، لكنه صلب روحيًا.

محمد دياب.. معركة السينما الجادة داخل السوق التجاري

أما محمد دياب فبدا الأكثر وعيًا بحجم الرهان الحقيقي للفيلم، تصريحاته كشفت أن المشروع لم يكن سهلًا إنتاجيًا أو تسويقيًا، خاصة مع حديثه الصريح عن أن تكلفة الفيلم غالبًا أكبر من سقف الإيرادات، وهي جملة شديدة الأهمية لأنها تكشف المأزق المزمن للسينما العربية، كيف يمكن صناعة أفلام ضخمة دون ضمانات تجارية حقيقية؟

دياب يحاول هنا خلق معادلة صعبة:،فيلم يحمل روح السينما العالمية من حيث التفاصيل البصرية، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بروح الفيلم التجاري القادر على جذب جمهور العيد.

ولذلك كرر أكثر من مرة فكرة المزج بين الأكشن، الدراما، الرومانسية، والإتقان الفني، وهي محاولة ذكية لتوسيع القاعدة الجماهيرية للفيلم، وعدم حصره في قالب  الفيلم النخبوي، كما أن حديثه عن خلق كل عناصر الصورة من الصفر – الملابس، الديكورات، الشواطئ، التفاصيل البصرية – يعكس رغبة واضحة في بناء عالم سينمائي كامل، لا مجرد خلفيات تاريخية سطحية كما يحدث أحيانًا في بعض الإنتاجات العربية.

البطولة هنا ليست فردية

من النقاط المهمة التي كشفها المؤتمر أن «أسد» لا يريد أن يكون فيلم محمد رمضان التقليدي القائم على الهيمنة الفردية للبطل، بل يبدو أقرب إلى أفلام البطولة الجماعية ذات العالم الواسع.

وجود أسماء مثل” رزان جمال، علي قاسم، إسلام مبارك، إيمان يوسف، كامل الباشا.. وغيرهم”، يعكس رغبة واضحة في خلق تنوع عربي داخل الفيلم، وهو ما يمنحه بعدًا إقليميًا يتجاوز السوق المصري فقط.

كما أن تصريحات رزان جمال، التي وصفت الفيلم بأنه دور العمر، تكشف أن الشخصيات النسائية قد لا تكون مجرد عناصر تجميلية، بل جزءًا أساسيًا من البناء الدرامي.

هل ينجح الفيلم في كسر صورة “البطل الشعبي”؟

النقطة الأكثر إثارة في المؤتمر كانت إصرار الجميع على أن الفيلم سيقدم محمد رمضان بصورة مختلفة، لكن هنا يبرز السؤال الحقيقي، هل يستطيع رمضان بالفعل التحرر من صورته الراسخة لدى الجمهور؟ لأن التحدي الأكبر لا يتعلق بالإنتاج أو الإخراج، بل بقدرة الجمهور على استقبال رمضان بعيدًا عن أدوار الهيمنة والاستعراض، خصوصًا أن شخصيته الجماهيرية الطاغية كثيرًا ما تبتلع الشخصيات التي يقدمها، إذا نجح «أسد» في جعل الجمهور يرى الشخصية قبل رؤية محمد رمضان، فسيكون الفيلم قد حقق أهم انتصار فني له.

اللغة والهوية.. ذكاء تجاري محسوب

حديث خالد دياب عن أزمة الفصحى أم العامية كان مهمًا للغاية، لأنه يلامس أزمة حقيقية تواجه الأفلام التاريخية العربية، فاختيار لغة وسط أو معالجة لغوية مرنة يبدو قرارًا ذكيًا، لأن الاعتماد الكامل على الفصحى قد يخلق حاجزًا جماهيريًا، بينما العامية الخالصة قد تُفقد العمل مصداقيته التاريخية، وهذا يكشف أن «أسد» لا يريد التضحية بالجمهور لصالح النقاء التاريخي، بل يحاول إيجاد منطقة توازن بين المتعة والمصداقية.

المؤتمر نفسه كان جزءًا من المعركة

المؤتمر لم يكن عفويًا بالكامل، بل بدا مدروسًا بعناية، التركيز على سنوات التحضير الطويلة، الحديث عن التضحيات، الإشارة للتكلفة الضخمة، التأكيد على صعوبة التصوير، وصف الفيلم بأنه “تجربة عالمية”، كلها عناصر تهدف لصناعة “هالة الحدث الكبير” قبل العرض، وهذه استراتيجية تسويقية ذكية، لأن الفيلم لا يباع هنا باعتباره مجرد قصة، بل باعتباره حدثًا سينمائيًا يجب مشاهدته.

بين الطموح والمخاطرة

ما يمكن استخلاصه من المؤتمر أن «أسد» ليس مشروعًا آمنًا على الإطلاق، بل مغامرة حقيقية، إنتاجيًا بسبب التكلفة، جماهيريًا بسبب الطابع التاريخي، وفنيًا بسبب محاولة تغيير صورة البطل، لكن ربما تكمن أهمية الفيلم تحديدًا في هذه المخاطرة، فالسينما المصرية ظلت لسنوات تدور داخل قوالب مضمونة تجاريًا، بينما يبدو «أسد» محاولة للخروج من هذا القفص، حتى لو كانت النتيجة غير مضمونة بالكامل.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي، هل ينجح الفيلم في تحويل كل هذا الخطاب الطموح إلى تجربة سينمائية حقيقية على الشاشة، أم أن المؤتمر كان أقوى من الفيلم نفسه؟ الإجابة ستبدأ بعد أول ليلة عرض، حين يخرج الجمهور من القاعة، لا ليسأل عن الإيرادات فقط، بل عن أثر الفيلم نفسه في الذاكرة.