بقلم : محمد قناوي
في فيلم «القصص»، الذي يشارك في مسابقة الافلام الطويلة ، بمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية الخامس عشر ، يقدّم المخرج أبو بكر شوقي عملًا يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليغدو تأمّلًا بصريًا وإنسانيًا في الذاكرة المصرية، حيث لا تعود الحكاية مجرد قصة عائلة، بل تتحول إلى مرآة لوطن بأكمله، يتأرجح بين الهزيمة والانتصار، وبين الانكسار والقدرة المستمرة على النجاة.
الفيلم، المستلهم من واقعة حقيقية لتعارف والدي المخرج عبر المراسلات في سبعينيات القرن الماضي، ينطلق من الخاص جدًا، لكنه سرعان ما يتسع ليحتضن العام، في واحدة من أبرز نقاط قوته، قدرته على تحويل التفاصيل الحميمة إلى سردية جمعية، تجعل المتلقي يرى ذاته داخل الحكاية، لا مجرد متفرج عليها.
من السيرة إلى الأسطورة اليومية
لا يقع شوقي في فخ الحكي التوثيقي أو الاستدعاء المباشر للماضي، بل يعيد تشكيل مادته الواقعية داخل بناء درامي متعدد الطبقات، يجعل من القصة أسطورة يومية قابلة للتكرار، هنا، لا تصبح الحكاية مهمة لذاتها، بل لما تمثله،”الحلم، الفقد، التكيف، والبحث عن معنى في عالم مضطرب “، هذا التحول من الواقعي إلى الرمزي يمنح الفيلم عمقه الحقيقي، حيث تتداخل التجربة الفردية مع الذاكرة الجمعية، دون أن يفقد أي منهما خصوصيته.
بناء زمني… وذاكرة لا تلتئم
يمتد زمن الفيلم من صيف 1967 حتى الثمانينيات، في تقسيم فصلي لا يكتفي بترتيب الأحداث، بل يعكس حالات نفسية جمعية: النكسة، النصر، البدايات، ثم الركود، ” 67″ هنا ليست مجرد لحظة تاريخية، بل جرح مفتوح يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويعيد تشكيل وعي الشخصيات، حتى في أكثر لحظاتها حميمية، بهذا المعنى، ينجح الفيلم في تقديم التاريخ كحالة شعورية ممتدة، لا كوقائع جامدة.
العائلة كاستعارة للوطن
في قلب «القصص» تقف العائلة بوصفها نموذجًا مصغرًا للمجتمع، الأب – أحمد كمال- يمثل محاولة فرض النظام وسط الفوضى، أو الحلم بالسيطرة على واقع متقلب، الأم – نيللي كريم- تجسد الثبات والاحتواء، كركيزة نفسية وأخلاقية، الأبناء، وعلى رأسهم أمير المصري، يعكسون صراع الأجيال بين الطموح والإحباط، ومن خلال هذه البنية، تتحول التفاصيل اليومية ، من مباريات كرة القدم إلى الأغاني والمراسلات ، إلى أدوات قراءة للواقع، لا مجرد خلفية له.
حب يعبر الحدود.. كفعل مقاومة
في خطه الرومانسي، يطرح الفيلم قصة حب بين شاب مصري وفتاة نمساوية، لا باعتبارها حكاية عاطفية فقط، بل كرمز لقدرة الإنسان على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، هذا الحب ليس ترفًا، بل فعل مقاومة ناعم، يؤكد أن المشاعر يمكن أن تظل حية حتى في أكثر الأزمنة اضطرابًا.
يعتمد شوقي على لغة رمزية واضحة، تصل أحيانًا إلى حد المباشرة، هذه المباشرة تمنح الفيلم وضوحًا في طرحه، لكنها في المقابل تقلل من مساحة التأويل لدى المشاهد، خصوصًا في بعض الاستعارات التي تبدو مفسّرة أكثر من اللازم، ومع ذلك، تظل هذه الرمزية جزءًا من اختياره الجمالي، الذي يميل إلى التواصل مع جمهور واسع دون تعقيد مفرط.

أداءات متباينة داخل نسيج واحد
على مستوى التمثيل، يقدّم أمير المصري أداءً حساسًا يلتقط رومانسية جيل الستينيات بصدق، بينما يمنح أحمد كمال الشخصية الأبوية ثقلًا دراميًا واضحًا، في المقابل، تبدو بعض الأدوار، مثل صبري فواز، أقل مغامرة، أقرب إلى النمطية، دون انحراف حقيقي عن المتوقع، أما نيللي كريم، فبرغم حضورها القوي، تقع نسبيًا في تكرار مناطق أدائية سبق أن قدمتها، ما يقلل من عنصر المفاجأة.
الصورة والصوت.. أرشيف حيّ
ينجح الفيلم في بناء عالمه السمعي والبصري عبر مزج ذكي بين الأغاني الوطنية والموسيقى الشعبية والكلاسيكية، إلى جانب توظيف لقطات أرشيفية تضيف بعدًا توثيقيًا دون أن تفقد العمل شاعريته، هذا المزج لا يخدم الجو العام فقط، بل يعكس صراع الهوية داخل الشخصيات، خاصة بين الانتماء المحلي والانفتاح على الآخر.
القيمة الحقيقية للفيلم تكمن في فكرته المركزية، “الانتصارات الصغيرة”، ليست الانتصارات الكبرى هي ما يصنع المعنى هنا، بل تلك اللحظات الهشة التي ينجو فيها الإنسان، حب يستمر رغم المسافات، حلم يقاوم الإحباط، عائلة تحافظ على تماسكها رغم كل شيء، بهذا، يبتعد شوقي عن الخطاب السياسي المباشر، ويقترب من الإنسان، من تفاصيله اليومية، من قدرته على الاستمرار.
سينما الألم الجميل
رغم ما يحمله «القصص» من ثقل عاطفي وموضوعات قاسية، فإنه ينجح في تقديم تجربة ممتعة بصريًا ووجدانيًا، في مفارقة تعكس جوهر الفن، تحويل الألم إلى جمال، بين الطموح وبعض التعثر، الفيلم ذكي في فكرته، صادق في مشاعره، وطموح في بنائه، لكنه ليس بلا عيوب، أبرز نقاط قوته تكمن في، تحويل الخاص إلى عام، بناء زمني يعكس الوعي الجمعي ،حس إنساني عميق، بينما تتمثل مآخذه في، رمزية مباشرة أحيانًا، تفاوت في الأداء، بعض التكرار في المعالجة
في النهاية، يرسّخ أبو بكر شوقي رؤيته كمخرج يبحث عن الإنسان داخل التاريخ، لا عن التاريخ ذاته، «القصص» ليس فيلمًا عن حقبة، بل عن أثرها في النفوس، عن الذاكرة حين تتحول إلى فعل مقاومة، وعن تلك الانتصارات الصغيرة التي، رغم تواضعها، تظل قادرة على إبقاء الحياة ممكنة.
