بقلم : محمد قناوي
في مدينةٍ تعانق التاريخ وتستدعي الأسئلة الكبرى، جاء لقاء الفنان خالد الصاوي بجمهور الأقصر مختلفًا عن أي “ماستر كلاس” تقليدي، لم يكن درسًا في التمثيل، ولا محاضرة تسرد فيها النصائح، بل بدا كمساحة مفتوحة للتأمل في معنى أن تكون فنانًا، وأن تصنع تجربتك بعيدًا عن القوالب الجاهزة.
مع غروب شمس اليوم الثالث من فعاليات الدورة الخامسة عشرة لمهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، احتشدت قاعة مكتبة مصر العامة ومركز الأقصر للتراث الحضاري بحضور متنوع، غلب عليه الشباب، في مشهد يعكس شغفًا حقيقيًا بالاقتراب من تجربة فنية بحجم الصاوي، لقاء جاء ضمن برنامج تكريمه هذا العام، لكنه تجاوز فكرة التكريم إلى لحظة تواصل إنساني مباشر بين فنان وجمهوره.
لا توجد نصائح في الفن
منذ اللحظة الأولى، كسر الصاوي الإطار التقليدي للقاءات من هذا النوع، معلنًا موقفه الصريح: “لا توجد نصائح في الفن” ، جملة بدت كمدخل لفلسفة كاملة، سرعان ما تجلت في طريقة إدارته للحوار، حين أعاد الكرة إلى الجمهور، مطالبًا إياه بطرح الأسئلة والهواجس التي تشغل بداياته، هنا تحديدًا، تحوّل اللقاء من منصة أحادية الاتجاه إلى تجربة تفاعلية، يستكشف فيها الجميع معنى البداية، وقلقها، وإمكانياتها المفتوحة.

أدار اللقاء السيناريست سيد فؤاد، الذي وصف الصاوي بأنه “حالة فنية متكاملة”، في إشارة إلى مسيرته المتنوعة بين التمثيل والكتابة والتلحين، لكن الصاوي بدا أكثر ميلًا إلى تفكيك هذه الصورة، مؤكدًا أن التجربة لا تختزل في تعدد المواهب، بل في القدرة على العمل المستمر على الذات، والانفتاح على التعلم دون ادعاء الوصول.
صورة واقعية لمسار الفنان
وعبر استعادة محطات من رحلته، خاصة في بداياته، رسم الصاوي صورة واقعية لمسار الفنان؛ مسار لا يخلو من التردد والتجريب، لكنه يتشكل عبر الإصرار والبحث. لم يقدم وصفات جاهزة، بقدر ما أشار إلى أهمية الاجتهاد، سواء من خلال الدراسة الأكاديمية أو المشاركة في الورش الفنية، بوصفها أدوات لصقل الموهبة لا بدائل عنها.
وفي حديثه عن الأداء، فتح الصاوي أفقًا أوسع لفهم التمثيل، مستشهدًا بتجارب رموز مثل عادل إمام وآل باتشينو، ليؤكد أن الاختلاف بين المدارس لا يلغي إمكانية الوصول إلى نفس العمق، ما دام الفنان يمتلك وعيه الخاص وقدرته على التعبير.
جلسة إنسانية دافئة
اللافت في هذا اللقاء لم يكن فقط محتواه، بل روحه؛ تلك التي جعلته أقرب إلى جلسة إنسانية دافئة، يتبادل فيها الحضور الأفكار والتجارب، بعيدًا عن أي تعالٍ أو مسافة، وهو ما يعكس، في جوهره، فلسفة مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، الذي لا يكتفي بعرض الأفلام، بل يفتح مساحات للنقاش والتفكير، ويعيد ربط الفن بسياقه الثقافي والإنساني.
هكذا، خرج اللقاء من كونه فعالية ضمن برنامج مهرجان، إلى كونه تجربة حية تؤكد أن الفن لا يعلَّم بوصفات، بل يكتشف عبر رحلة شخصية، تبدأ بالسؤال، وتستمر بالبحث، ولا تنتهي أبدًا.
