نورا أنور تكتب: الدراما الرمضانية تعيد كتابة حكايات الشارع

من أبرز ملامح الدراما هذا الموسم عودتها الواضحة إلى الاقتراب من نبض الواقع، فالمتابع للأعمال التي حققت صدى حقيقيًا لدى الجمهور يلاحظ أن معظمها لم يعد يعتمد على الحكايات المتخيلة أو الصراعات المفتعلة، بل اتجه إلى استلهام قصص من وقائع شهدها الماضي القريب، أو إلى طرح مشكلات اجتماعية يعيشها المواطن يوميًا ويلمس أثرها المباشر في تفاصيل حياته، وهذا الاقتراب من الواقع منح تلك الأعمال قدرا كبيرا من المصداقية، وجعل الجمهور يتفاعل معها بوصفها انعكاسًا لواقعه، لا مجرد حكايات درامية عابرة.

لقد أثبتت التجربة مرة أخرى أن المشاهد العربي حين يرى نفسه وهمومه وقضاياه الحقيقية على الشاشة، يصبح أكثر استعدادا للمتابعة والتفاعل، فالقضية الواقعية تمتلك بطبيعتها قوة تأثير أكبر من الحكاية المتخيلة، لأنها تستدعي ذاكرة المجتمع وتلامس خبراته اليومية، بل وتفتح أحيانًا بابا للنقاش العام حول قضايا ربما كانت مسكوتا عنها.

صحاب الأرض ..مأساة شعب

في النصف الأول من الموسم الرمضاني برز مسلسل أصحاب الأرض بوصفه واحدا من أهم الأعمال التي لفتت الانتباه، ليس فقط بسبب موضوعه، بل أيضًا بسبب الجرأة في الاقتراب من قضية تمس وجدان الأمة العربية كلها، فالمسلسل لم يكتف بتقديم حكاية إنسانية، بل حاول أن يعكس مأساة يعيشها شعب كامل، وأن يضع المشاهد أمام واقع قاس يراه يوميا عبر الأخبار والصور، لكنه هنا يقدم في قالب درامي قادر على إثارة التعاطف والتفكير معًا، وقد استطاع العمل أن يحقق حالة من التفاعل الواسع، لأن موضوعه لم يكن مجرد خلفية للأحداث، بل كان جوهر الحكاية ومحركها الأساسي، ومن هنا جاءت قوته وتأثيره، إذ شعر المشاهد أنه أمام عمل يحاول أن يقترب من قضية إنسانية كبرى، ويعيد طرحها بلغة فنية مؤثرة.

أب ولكن .. الأطفال الضحايا

أما في النصف الثاني من الموسم، فقد جاء مسلسل “أب ولكن” ليطرح قضية اجتماعية شديدة الحساسية داخل المجتمع، وهي قضية الأطفال الذين يصبحون الضحية الأولى في صراعات الكبار، فالانفصال بين الأب والأم قد يكون أحيانا الحل الوحيد لإنهاء علاقة فاشلة، لكن الثمن الحقيقي يدفعه الأبناء، الذين يجدون أنفسهم عالقين بين طرفين متخاصمين.

وهنا تكمن أهمية هذا العمل، لأنه يسلط الضوء على الآثار النفسية والاجتماعية التي يتركها الانفصال على الأطفال، ويطرح تساؤلات مهمة حول مسؤولية المجتمع والقانون في حماية هؤلاء الصغار من تبعات قرارات لم يشاركوا في صنعها وربما يكون من المأمول أن تفتح مثل هذه الأعمال بابا لحوار مجتمعي أوسع حول بعض القوانين أو الآليات التي تنظم هذه القضايا، بحيث تكون مصلحة الطفل هي المعيار الأول في أي قرار.

حكاية نرجس ..قصة حقيقية

ومن بين الأعمال التي لفتت الانتباه أيضًا مسلسل “حكاية نرجس” الذي استند إلى قضية حقيقية شغلت الرأي العام في الماضي القريب، وعرفت آنذاك باسم قضية «عزيزة بنت ابليس».

وقد كان للإعلامية منى العراقي دور مهم في كشف تفاصيل تلك القضية أمام الرأي العام، لتتحول لاحقا إلى واحدة من القضايا التي أثارت نقاشًا واسعًا داخل المجتمع.

نجح المسلسل في إعادة تقديم هذه القضية دراميا بصورة مؤثرة، مستفيدا من قوة الحكاية الأصلية ومن حساسية الموضوع الذي يتناوله، لكن النجاح لم يكن نتيجة القضية وحدها، بل كان أيضا نتيجة اختيارات فنية موفقة على مستوى الأداء التمثيلي، خاصة حضور ريهام عبد الغفور التي أثبتت مرة أخرى قدرتها على تقديم الشخصيات المركبة بصدق وإقناع، إلى جانب حمزة العيلي الذي قدم أداء لافتا يعكس فهما جيدا لطبيعة الشخصية وتعقيداتها.

كما أن عناصر الصورة كان لها دور مهم في دعم العمل، سواء من خلال اختيار أماكن التصوير التي منحت الأحداث قدرا أكبر من الواقعية، أو عبر الإضاءة التي ساعدت في خلق مناخ بصري مناسب لطبيعة القصة، وهو ما عزز إحساس المشاهد بصدق الحكاية.

قضايا واقعية

إن ما يجمع هذه الأعمال الثلاثة ليس فقط نجاحها الجماهيري، بل أيضا اعتمادها على قضايا واقعية استطاعت الدراما أن تعيد طرحها بأسلوب فني قادر على إثارة التفكير والنقاش.

فالدراما في هذه الحالة لا تكتفي بدورها الترفيهي، بل تتحول إلى مساحة لطرح الأسئلة ومناقشة القضايا التي تشغل المجتمع.

ولأن هذه الأعمال تمتلك من الأهمية والثراء ما يجعلها جديرة بالتوقف أمامها، فإنها تستحق ان نكتب أكثر تفصيلًا، لذلك سنخصص لكل مسلسل من هذه المسلسلات مقالا مستقلا يتناول تجربته بشكل أعمق، سواء من حيث البناء الدرامي، أو الرؤية الإخراجية، أو الأداء التمثيلي، أو طبيعة القضية التي يطرحها وتأثيرها في المتلقي.

فالدراما التي تنجح في الجمع بين القيمة الفنية والاقتراب من هموم الناس تستحق دائما أن نتوقف عندها، لا بوصفها مجرد عمل ترفيهي عابر، بل باعتبارها جزءا من الحوار الثقافي والاجتماعي داخل المجتمع.

لذلك يمكن القول إن التجارب التي شاهدناها هذا الموسم تؤكد حقيقة مهمة، وهي أن الدراما حين تقترب من الواقع وتتعامل مع قضايا الناس بصدق ووعي، فإنها لا تحقق النجاح الفني فقط، بل تؤدي أيضًا دورها الحقيقي بوصفها مرآة للمجتمع وصوتًا لقضاياه.