تمتلك آلما سالم، ما يقارب ثلاثين عامًا من الخبرة في مجال الثقافة والفنون. درست الأدب الفرنسي وتاريخ الفن، ثم عملت أحد عشر عامًا في معهد الآثار الفرنسي، حيث اشتغلت كقيّمة فنية على توثيق الصور والخرائط، وأسهمت في إعداد كتاب «صور من المشرق» حول هذه المجموعة الأرشيفية. بعد ذلك، عملت قرابة أحد عشر عامًا في المجلس الثقافي البريطاني (British Council)، شغلت خلال آخر خمس سنوات منها منصب المديرة الإقليمية لبرامج الفنون في المنطقة العربية.
خلال السنوات العشر الأخيرة، عاشت بين كندا ودرست الإدارة الثقافية في الولايات المتحدة، وهي قيّمة فنية مستقلة، أدارت معارض ومشاريع ركزت بشكل أساسي على المساحة الفاصلة بين الفن والسياسة: أين يلتقيان، وأين يتباعدان، وكيف يمكن للفن أن يكون سياسيًا من دون أن يتحول إلى أداة دعائية أو مُسيّسة. وقد شكّل هذا السؤال محورًا أساسيًا في عملها الفني والفكري، وفي سعيها إلى خلق مساحات آمنة ومعقّدة للتفكير والعمل الثقافي.
بالتوازي، أسست مكتبًا للاستشارات الثقافية في مونتريال (Atelier Alma)، عملت من خلاله على دعم المؤسسات الثقافية وخصوصاً المتاحف، ووضع الاستراتيجيات، وتدريب الكوادر، والتعامل مع قضايا الإدارة الثقافية والسياسات الثقافية واقتصاد الإبداع سواء مع مؤسسات مستقلة أو مع حكومات. ومنذ عام 2019، تولّت الإدارة التنفيذية للحركة السياسية النسوية السورية، وهي حراك نسوي معارض لكافة أشكال الاستبداد، يعمل على تعزيز مشاركة النساء في صنع القرار السياسي والشأن العام، في سياق سوري وعربي تُهمَّش فيه النساء بشكل ممنهج. وبعد مرحلة التأسيس، ما زالت متواجدة مع الحركة بصفة استشارية.
آلما سالم أم لشابة وشاب تعيش في كندا، وعادت خلال هذا العام إلى بيروت، واتخذت منها مقرًا أساسيًا بالتزامن مع تسلّمها منصب مديرة مؤسسة المورد الثقافي في نوفمبر الماضي.
في هذا الحوار، إطلالة على مسارها الطويل في العمل الثقافي، ورؤيتها لمستقبل المورد، وأسئلتها حول دور الفن والثقافة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، إلى جانب تصوّراتها للمرحلة المقبلة وما تحمله من تحديات وفرص.
- لديكِ مسار طويل في العمل الثقافي والفني والإدارة الثقافية، وحضور واضح في المشهد الثقافي والنسوي العربي. كيف ينعكس هذا المسار على رؤيتكِ لمستقبل المورد؟
أنا أنتمي إلى الجماعة الثقافية العربية. المورد، بالنسبة لي، ليس مؤسسة خارج هذا الانتماء، بل أحد المظلّات التي جمعت هذه الجماعة عبر سنوات طويلة. ورغم إقامتي في كندا لعشر سنوات، فإن المنطقة لم تتركني يومًا.
كنت دائمًا جزءًا من النقاشات، من التفكير الجماعي، ومن الحوارات الكبرى التي تخصّ الشأن الثقافي العربي والعلاقات الثقافية. عملي السابق كان إقليميًا بامتياز، اشتغلت على محاور متعددة: في المشرق، وشمال أفريقيا، والخليج، وأدرك الفوارق الدقيقة بين العمل على مستوى الإقليم والعمل داخل سياقات محلية ضيقة.
تولّي إدارة المورد التزام أخلاقي وجماعي أكثر منه موقعًا إداريًا
إن تولّي هذه المهمة الآن ليس موقعًا إداريًا بقدر ما هو التزام أخلاقي وجماعي: أن أكون مُيسِّرة لعمل هذه الجماعة الثقافية، وأن أساهم في خلق مساحات أوسع للتفكير، والتجريب، وبناء علاقات ثقافية تتجاوز الحدود والخطابات الإقصائية، وتعيد للثقافة دورها بوصفها فعلًا حيًا ومشتركًا في قلب المنطقة.
اليوم هناك حاجة ملحّة إلى إعادة إطلاق حراك ثقافي وفكري وسياسي عربي، برؤية تتجاوز منطق البقاء (survival mode) نحو التفكير بالمستقبل، وبالتحالفات، وبالتقاطعات بين الثقافة وحقوق الإنسان، والتكنولوجيا، والبيئة، واقتصاد الإبداع. هذه خمسة محاور أراها أولويات أساسية للمرحلة القادمة وهي تحتاج إلى تصميم شراكات تضمن قوة المشاريع وقدرتها على الاستمرار.
هناك ضرورة للتأكيد على كسر المركزية الثقافية، والخروج من «المثلثات الذهبية» التي تحتكر العمل الثقافي في العواصم، والتوجه نحو المناطق المهمّشة التي تحمل الغنى الحقيقي والتنوع الثقافي. وكذلك لإعادة التفكير في الفضاء المتوسطي، والعلاقات بين شماله وجنوبه، بطرق مبدعة وفي دور الثقافة والفنون في بناء جسور بين الشعوب، حتى في لحظات الخلاف السياسي الحاد.
توسيع المشهد الثقافي بإضافة مساحات جديدة، لا ينبغي أن ينطلق فقط من منطق العدالة وتكافؤ الفرص، وهو منطق أساسي ومهم، بل أيضًا من منطلق الفضول الثقافي والاحتفاء بالتنوّع والتعددية لا المحو والإقصاء.
ضمن هذه الرؤية، أضع أيضًا مسألة حماية التراث، المادي واللامادي، بوصفها عنصرًا محوريًا. التراث حيّ، ومتغيّر، وقابل لإعادة الخلق. هو مادة نعمل عليها، لا ماضٍ نحبس داخله.
السؤال الحقيقي ليس كيف نحافظ على التراث، بل كيف نجعله مادة للمستقبل، وكيف نعيد اختباره باستمرار عبر الفن والمعرفة. حين نحرّر التراث من الجمود ونسمح له بالمعاصرة، حيث يصبح نقطة التقاء، لا أداة انقسام، ويمنحنا لغة مشتركة في لحظة الاستقطاب الحاد.
- كيف كيف يمكن ترجمة هذه الرؤية إلى سياسات وبرامج عملية داخل مؤسسة المورد الثقافي، على نحو يتكامل مع ما هو قائم فعلًا، ويطوّره، ويفتح له أفقًا أبعد؟
يمر المورد الثقافي اليوم بمرحلة انتقالية تتطلب الخضوع لعملية تقييم شاملة ومعمّقة وتحليلية لكامل برامج المؤسسة، لتحديد الثغرات ومواطن القوة. وهو ما بدأنا به بالفعل سعيًا نحو الخروج بتوصيات واضحة، ومن ثم صياغة الاستراتيجية الجديدة، لا من باب القطيعة، بل من باب التطوير، بحيث تصبح أكثر قدرة على النمو، وأكثر استدامة، وأكثر ملاءمة للتحديات الراهنة. وهو تطوير قائم على معطيات تحليلية وعلمية واضحة، وعلى عملية تشاركية حقيقية داخل وخارج المؤسسة.
- لماذا يرى المورد أن هذه اللحظة تحديدًا هي اللحظة المناسبة للتقييم وإعادة التفكير في المسار؟
نحن أمام الذكرى العشرين لتأسيس المورد الثقافي، وهي لحظة تستدعي التوقّف والمراجعة بطبيعتها. وقد جرى التعبير عن ذلك من خلال ملتقى «نسيج حي» في بيروت في شهر أكتوبر الماضي، الذي شكّل تجسيدًا عمليًا لهذا التأمل الجماعي في مسار المؤسسة.
هناك سبب آخر لا يقل أهمية، ويتمثّل في العمل الذي أنجزته إيلينا ناصيف، المديرة السابقة، على مستوى البيانات والأرشفة. فقد قامت، بالتعاون مع الفريق، بعمل بالغ الأهمية تمثّل في جمع وتوثيق وتحليل بيانات المؤسسة، في خطوة يمكن اعتبارها من أوائل المحاولات الجدية لبناء أرشيف متكامل للمورد.
كانت هناك مواد كثيرة متفرقة، وقد جرى تنظيمها وتحويلها إلى مادة قابلة للقراءة والتحليل. عندما تمتلك مؤسسة أرشيفًا، فإن ذلك يمنحها بالضرورة منظورًا مختلفًا إلى تاريخها ومسارها بوصفه كلًا واحدًا، لا مجرد مسارات متفرقة. ومن ثم فإن مسألة التقييم صارت مطروحة تلقائيًا بالفعل على المستوى الداخلي للمؤسسة على أن تتم بشكل تشاركي، وبمنهجية حيادية ومستقلة واحترافية. وهو قرار برأيي تطلب قدرًا عاليًا من الشجاعة المؤسسية.
على المستوى الخارجي أيضًا هناك الكثير من المتغيرات الراهنة، إقليميًا ودوليًا، التي يتطلب التعاطي معها بكفاءة مراجعة جادة للأدوات والآليات ومسارات العمل. منطقتنا، منذ عام 2011، دخلت مرحلة اهتزاز عميق. قبل ذلك، كان هناك ما يسمّى بالاستقرار الذي فرضته أنظمة فاشية وديكتاتورية.
ثم انتقلت المنطقة بما فيها قطاع الثقافة والفنون إلى حالة دائمة من الاستجابة للأزمات، أو ما يشبه «وضع البقاء». لكن النجاة لا يمكن أن تكون أفقًا نهائيًا. الثقافة، بالنسبة لي، هي المساحة التي تسمح لنا بالخروج من هذا المنطق، والانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل المؤسِّس.
نحن كفنانين وفاعلين ثقافيين، بطبيعتنا، أكثر حساسية وأكثر قدرة على تخيّل بدائل بما نمتلكه من أدوات. أدواتنا هي القيم، والأفكار، والأحلام، والإبداع والخيال الجماعي وهي مؤثرة فعلًا، بشرط واحد: أن نكون معًا.
فالتقييم في هذه اللحظة يأتي أيضًا كأداة ضرورية لقراءة موقع المورد داخل هذا السياق المتحوّل للمساهمة في تخيّل أفق مستقبلي جماعي.

لدينا الكثير مما يمكن إنجازه مع فناني الخليج عبر تبادل الخبرات ومشاركة المعرفة
- قلتِ في ملتقى “نسيج حي” إننا نشهد اليوم تشكّل بنية ثقافية جديدة بين المشرق والمغرب والخليج لا تقوم على مركز وهامش، بل على تفاعل متبادل. كيف تتحول الفوارق — خصوصًا الاقتصادية — بين المشرق والمغرب والخليج من نقاط تباين إلى طاقة للتفاعل بدل أن تكون عائقًا؟
أعتقد أننا نشهد اليوم تشكّل شبكة ثقافية جديدة في المنطقة لا تقوم على التراتبية القديمة. هناك تبادل حقيقي، وتجارب تتقاطع، وأصوات شابة تعيد تعريف المنطقة كمساحة حركة وتفاعل. هذا التحول لا يلغي الفوارق في الوصول الى الفرص، لكنه يحوّلها من عوائق إلى عناصر يمكن الاشتغال عليها. المدن اليوم تتبادل الخبرات بدل أن تُؤطَّر في تصنيفات فوقية، والعلاقات الثقافية تُبنى على الشراكة لا على التنافس. ما يهمني هنا هو الحفاظ على خيوط هذا النسيج، وتوسيعه، والانطلاق إلى العالم من موقع المبادرة لا الدفاع.
عملت في الخليج منذ عام 2005، والحقيقة أن الخليج منذ زمن طويل يضم مشهدًا ثقافيًا مستقلًا مهمًا، وليس للخليجيين وحدهم.
فالخليج فضاء متعدد الهويات، يضم عددًا كبيرًا من المقيمين والوافدين من جنسيات مختلفة، وهؤلاء جزء لا يتجزأ من المجتمعات التي يعيشون فيها.
أعتقد أن لدينا الكثير مما يمكن إنجازه مع الفنانين في الخليج، سواء على مستوى تبادل الخبرات أو دعم القدرات أو مشاركة المعرفة والتجارب.
نحن بحاجة إلى معرفة أعمق بالمبادرات المستقلة هناك، وربما تلك غير المرئية حتى الآن، لفهم طبيعة القطاع المستقل وكيف يمكن العمل معه وكيف يمكن ضمّ هؤلاء الفنانين إلى شبكاتنا، وتوسيع الروابط معهم.
● «المشاع» ليس برنامجًا بل هو رؤية للاستمرار وآلية تعاون
- في سياق حديثنا عن خطة التقييم الشاملة وبالتزامن مع الاحتفاء بمخرجات مشروع «لنستعيد المشاع» الذي أثمر عن عدد من المشاريع المهمة، كيف ستتعامل المؤسسة مع استمرارية البرنامج وتقييم أثره في المرحلة المقبلة؟
مفهوم «المشاع» ليس مشروعًا بالمعنى الضيق، بل هو رؤية وأداة من أدوات الاستمرارية، وضرورة ، خصوصًا في ظل الأوضاع الصعبة المتعلقة بالتمويل والموارد. وعندما ننظر إلى اسم «المورد الثقافي» نفسه، نجده يعبّر بوضوح عن هذه الفكرة: كيف يمكن تنويع الموارد، وكيف يمكن تقاسمها. الاسم بحد ذاته يحمل دلالة عميقة في هذا السياق.
من هذا المنطلق، أتعامل مع «المشاع» بوصفه التزامًا طويل الأمد يطال مختلف برامج المؤسسة، وليس برنامجًا واحدًا فقط. صحيح أن التفكير يتم حاليًا بشكل مركّز عبر مشروع «لنستعيد المشاع»، ونحن بالتأكيد ملتزمون به على مستوى الموارد، خصوصًا أنه يتقاطع مع برامج أخرى في المؤسسة، مثل برنامج «عبّارة» الداعم للمؤسسات.
مفهوم المشاع سيبقى حاضرًا في جميع برامج المورد، لكن خصوصية مشروع «لنستعيد المشاع» تكمن في محاولة خلق نموذج عملي لكيفية استمراره وتطوره. لذلك، المشروع مستمر، لكنه يحتاج إلى بعض العمل التقني والتنظيمي، لضمان أن تكون الجهات المشاركة قادرة فعلًا على التفاعل معه والاستجابة لمتطلباته.
وبما أن المشاع هو أحد المقاربات الساعية نحو الاستدامة، أود أيضًا التوقف عند مفهوم الاستدامة، وضرورة التفكير فيه من زاوية أوسع. فالاستدامة لا تتحقق فقط عبر التشاركية أو عبر المشاع، بل هناك أيضًا استدامة مرتبطة بدعم المهارات الريادية، ومنظور أوسع مرتبط باقتصاد الإبداع.
من المهم التفكير في الاستدامة بمنطق يتجاوز «إما أو»: إما الانخراط في مأسسة الثقافة ومنحها قيمة مادية كونها تسهم فعليًا في اقتصاد الدول، أو الانعزال الكامل عن كل أشكال تحويل الثقافة إلى قيمة اقتصادية. المسألة ليست أحد الخيارين، بل كلاهما معًا.
من الضروري أن نكون منفتحين على أشكال ومفاهيم متنوعة للاستدامة، وسيجري العمل على خطة تضمن تنويع مصادر التمويل. كما سيكون هناك دعم للمؤسسات من أجل تطوير مهاراتها التمويلية. أؤمن بأن قطاع الثقافة والفنون هو مهنة وصناعة (industry)، وهو قطاع حِرفي واحترافي، خصوصًا في العالم العربي، وله مساهمة مباشرة في إغلاق الدول أو انفتاحها.
- ما الأثر الذي تتمنين أن يتركه وجودك في المورد بعد سنوات من الآن؟
إذا كان لي أن أترك أثرًا في المورد بعد سنوات، فأتمنى أن يذكر وجودي بأنني ساهمت في توسيع هوامش الحرية، وفي خلق أشكال جديدة لاستدامة المؤسسة ودعم الفنانين، وبأننا استطعنا الاستجابة للاحتياجات من دون التفريط في المبادئ. وأتمنى أيضًا أن أكون قد ساهمت في أن تصبح المنطقة العربية أكثر انفتاحًا على الآخر المختلف، وأن تتحول إلى شريك ثقافي يختار عن قناعة، لا إلى منطقة تختزل في الصراع والدم.
الانفتاح على التعدد، وعلى تعميق وتوطيد العلاقات الثقافية وهي بمنظوري الحجر الأساس لإلتقاء الشعوب، وعلى تنوّع الأشكال والتجارب، حتى تلك التي تبدو تقليدية أو متناقضة. أحيانًا، ونحن ندافع عن البدائل، نقع في فخ الانغلاق داخل مساحات ضيقة. بينما التعدد والتنوع هما ما يُبقيان اللحظة الثقافية حيّة ومتحركة.
أطمح إلى المساهمة في تغيير الصورة النمطية عن المنطقة العربية، لترى بوصفها منطقة فضول، وإبداع، وجماليات وحياة. وهذا هو الأثر الذي أتمنى أن يظل. وانضمامي إلى المورد نابع من إيماني بأن هذه المؤسسة قادرة فعلًا على لعب هذا الدور القيادي، وكسر الصور النمطية، وبناء علاقات ثقافية دولية تُسهم في معالجة كثير من أزمات منطقتنا.
أما القيمة الأعلى بالنسبة لي، فهي الحرية. الحرية الفنية، وحرية التعبير، التزامي الأساسي، هو الدفاع عن هذه الحرية، وتوسيع هوامشها.
