من الارتجال إلى «مسرح مصر».. كيف تُبنى الكوميديا ويُصنع تفاعل الجمهور؟
محمد قناوي يكتب:
لم يتعامل الفنان أشرف عبد الباقي مع الكوميديا باعتبارها موهبة فطرية أو قدرة على إطلاق الإفيهات وانتزاع الضحكات، بل قدمها بوصفها صناعة لها أدواتها وقواعدها، تبدأ من بناء الشخصية ولا تنتهي عند الكلمة أو الحركة، وإنما تتشكل من إيقاع الأداء وتوقيت الصمت وردود الفعل والعلاقة الحية بين الممثل والجمهور.
هذه كانت الفكرة الأساسية التي دار حولها الماستر كلاس الذي قدمه ضمن فعاليات الدورة الحادية عشرة من مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، تحت عنوان «آليات الكوميديا في المسرح».
اللقاء لم يكن مجرد استعراض لمحطات من مشواره الفني، وإنما محاولة لتفكيك آليات الضحك، وشرح الفارق بين من يلقي النكات ومن يصنع شخصية كوميدية قادرة على الاستمرار، مستنداً إلى خبرته الطويلة وتجربته في «مسرح مصر»، التي مثلت واحدة من أبرز محاولات إعادة تقديم الكوميديا المسرحية لجمهور جديد.

الكوميديا ليست إفيهاً.. بل بناء متكامل
في بداية اللقاء، وضعت الدكتورة إنجي البستاوي، مدير عام المهرجان، أشرف عبد الباقي أمام معادلة تتجاوز الموهبة وحدها، معتبرة أن نجاح الفنان واستمراره يحتاجان إلى ثلاثة عناصر متكاملة: الموهبة والذكاء والاستمرارية. ورأت أنه استطاع الجمع بينها، ليس فقط في التمثيل، وإنما في قدرته على ابتكار مشروعات مسرحية مختلفة، وفتح مساحات أمام المواهب الشابة، وفي مقدمتها «مسرح مصر» وتجربة مسرح سوديك.
ولم تكتف البستاوي بالاحتفاء بتجربته، بل طرحت ترشيحاً يحمل دلالة رمزية، بإعلان أن أشرف عبد الباقي يستحق أن تحمل الدورة الثانية عشرة من المهرجان اسمه، تقديراً لمسيرته وإسهاماته في دعم الشباب وتجديد التجربة المسرحية.
أما عبد الباقي، فبدأ من تصحيح مفهوم شائع عن الكوميديا، موضحاً أن هناك فارقاً بين المونولوجيست الذي يعتمد على إلقاء النكات وتقديمها بصورة جذابة، والممثل الكوميدي الذي يبني شخصية متكاملة تصبح النكتة جزءاً من تكوينها الدرامي. وهو فارق جوهري؛ لأن الضحك في الحالة الثانية لا يأتي من جملة منفصلة، بل من موقف وشخصية وعلاقة تتطور أمام الجمهور.
توقيت الضحك.. ما لا تقوله الكلمات
توقف عبد الباقي أمام مدارس الكوميديا المتعددة، من كوميديا الموقف والصفة الشخصية، إلى الكوميديا اللفظية والحركية والمفارقة والسخرية والكوميديا السوداء، مستعيداً مدرسة الفنان الراحل عبد المنعم مدبولي، الذي امتلك قدرة استثنائية على تحويل الجمل العادية إلى مواقف مضحكة من خلال التكرار وتغيير السياق وطريقة الأداء.
واستشهد بجملة بسيطة هي «أنت جيت بدري ليه؟»، موضحاً كيف يمكن أن تتحول العبارة نفسها إلى تعبير عن الغضب أو السعادة أو الارتباك، بحسب طبيعة العلاقة بين الشخصيات والظروف المحيطة بالموقف.
هنا تكمن إحدى أهم النقاط التي طرحها الماستر كلاس: الكوميديا لا تسكن الكلمات وحدها، وإنما في المسافة بين الكلمة ورد الفعل، وفي السكتة التي تسبق الإجابة، وفي نظرة الممثل وحركته وتوقيت دخوله إلى الموقف أو خروجه منه. فالإفيه الجيد قد يفقد تأثيره إذا قُدم في توقيت خاطئ، بينما تستطيع جملة عادية أن تتحول إلى لحظة ضحك مؤثرة إذا امتلك الممثل الإحساس بإيقاعها.
وهذا الطرح يعيد الاعتبار إلى الجانب الحرفي في الأداء الكوميدي، بعيداً عن الاعتقاد بأن إضحاك الجمهور مسألة عفوية أو ارتجال مستمر.

«مسرح مصر».. ساعة ضحك وسط أربع ساعات
كانت تجربة «مسرح مصر» المحور الأكثر ارتباطاً بالجانب العملي في حديث عبد الباقي، الذي كشف أن الفكرة قامت على رهان واضح: كيف يمكن تقديم عرض مسرحي يحتوي على أكبر قدر من المواقف الكوميدية المؤثرة؟
واستعاد تجارب مسرحية راسخة مثل «مدرسة المشاغبين» و«شاهد ما شفش حاجة»، مشيراً إلى أن بعض العروض الكوميدية الكبرى كانت تمتد إلى أربع ساعات، لكن ما يبقى في ذاكرة الجمهور منها هو مجموعة محددة من المشاهد واللحظات الضاحكة.
ومن هنا جاء رهان «مسرح مصر» على صناعة ساعة من الضحك وسط أربع ساعات من العرض، عبر تكثيف المواقف الكوميدية وتتابعها، مع الاستفادة من الارتجال والتفاعل بين الممثلين.
لكن أهمية التجربة لا تتوقف عند شكلها الكوميدي أو نجاحها الجماهيري، بل تمتد إلى إتاحة الفرصة لجيل من الشباب للظهور والانتشار، وتحويل خشبة المسرح إلى مساحة لاكتشاف مواهب جديدة، ارتبط بعضها لاحقاً بأسماء معروفة في المشهد الفني.
الارتجال موهبة.. لكنه ليس بديلاً عن البناء
توقف عبد الباقي عند الارتجال باعتباره أحد العناصر المهمة في الكوميديا، خاصة في العروض التي تعتمد على التفاعل المباشر بين الممثلين، لكنه ربط نجاحه بقدرة الفنان على التقاط اللحظة وتوظيفها، لا بمجرد الخروج عن النص.
واللافت في حديثه أنه لم يقدم الكوميديا باعتبارها قالباً ثابتاً يمكن تكراره، مؤكداً أن ذائقة الجمهور تتغير بتغير الأجيال والظروف الاجتماعية، وأن الفنان الذي يصر على استخدام الأدوات نفسها طوال مسيرته يفقد تدريجياً قدرته على التواصل مع المتفرجين.
واعتبر أن الشخصية المصرية تمتلك قدرة خاصة على تحويل الأزمات والمواقف الصعبة إلى مادة للسخرية والإفيه، مشيراً إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت مصدراً متجدداً للمواقف والأفكار الكوميدية، على غرار ما كانت توفره النكات المتداولة في المقاهي وأماكن العمل قديماً.

الممثل الجيد لا تحكمه خانة كوميدي أو تراجيدي
ومن الأفكار المهمة التي طرحها عبد الباقي رفضه حصر الممثل في تصنيف فني واحد، مؤكداً أن نجاح الفنان يرتبط بقدرته على تقديم الشخصية بصدق والتفاعل مع الموقف، وليس بالانتماء المسبق إلى مدرسة الكوميديا أو التراجيديا.
واستشهد بتجارب المخرج الراحل فطين عبد الوهاب، الذي استطاع صناعة مواقف كوميدية مؤثرة من خلال ممثلين مثل بشارة واكيم وفريد شوقي وصلاح ذو الفقار، رغم أن الكوميديا لم تكن التصنيف الأساسي لأدائهم.
وهي إشارة مهمة إلى أن الكوميديا ليست امتيازاً لمجموعة محددة من الممثلين، بل قدرة أدائية يمكن أن تظهر لدى أي فنان يمتلك أدوات الشخصية وفهم الموقف والإيقاع.
من الماستر كلاس إلى مسؤولية المهرجان
تكمن قيمة هذا اللقاء في أنه نقل الاحتفاء بنجم جماهيري إلى مساحة أكثر فائدة للشباب، هي مساحة المعرفة المهنية ونقل الخبرة. فالمسرح الشبابي لا يحتاج فقط إلى منح المواهب فرصاً للعرض، وإنما يحتاج أيضاً إلى تعريفها بكيفية صناعة العرض وتطوير أدوات الممثل وفهم طبيعة العلاقة مع الجمهور.
ومن هذه الزاوية، يصبح الماستر كلاس أكثر أهمية من كونه لقاءً مع فنان صاحب تجربة ناجحة؛ لأنه يضع أمام الشباب خبرة قابلة للنقاش والتعلم، ويكشف أن النجاح الجماهيري لا يأتي بالصدفة، وإنما وراءه وعي بالتفاصيل وقدرة على التجديد والمخاطرة.
ويبقى التحدي أن تتحول مثل هذه اللقاءات إلى برامج مستمرة للتدريب والتطوير، لا أن تظل محطات عابرة ضمن جدول المهرجانات. فاستضافة أشرف عبد الباقي تمنح الشباب فرصة للاستماع إلى تجربة مهمة، لكن القيمة الحقيقية تظهر عندما يستطيعون تحويل ما سمعوه إلى أدوات جديدة في تجاربهم المسرحية.
وهكذا، لم يكن السؤال في ماستر كلاس أشرف عبد الباقي: كيف نضحك الجمهور؟ بل كيف نصنع ضحكاً يمتلك أدواته، ويواكب زمنه، ويستطيع أن يعيش في ذاكرة المتفرج بعد إسدال الستار؟

