للعام الثاني على التوالي، يثير بوستر مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الجدل قبل أن تبدأ فعالياته، بدلًا من أن يكون واجهة فنية تليق بتاريخ المهرجان ومكانته، والمفارقة أن أزمة هذا العام لا تتعلق بالفكرة، بقدر ما تتعلق بتنفيذ لم ينجح في ترجمة الفكرة إلى صورة تحتفي بذاكرة السينما المصرية ورموزها، والاستسهال والاستعانة بالذكاء الاصطناعي في التصميم.
أُعلن عن البوستر قبل المؤتمر الصحفي بنحو ساعة واحدة، لكنه سرعان ما أثار ملاحظات تتعلق بتشويه ملامح الفنانة شادية، وعدم وضوح صور الفنانين في الخلفية، إلى حد يصعب معه التعرف على معظمهم. وهنا تبدو المفارقة واضحة، فكرة تستند إلى الاحتفاء بتاريخ سينمائي عريق، ونتيجة تضعف قدرتها على تحقيق هذا الهدف.
الفكرة ليست المشكلة..بل التنفيذ
الاحتفاء بشادية ورموز السينما المصرية فكرة جيدة، تحمل دلالات فنية وتاريخية، وكان يمكن أن تقدم صورة بصرية تستحضر ذاكرة أجيال من الفنانين الذين صنعوا تاريخ الشاشة، لكن التنفيذ جاء مخيبًا للآمال، وفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مدى التدقيق في التفاصيل ومراجعة التصميم قبل الإعلان عنه.
فالذكاء الاصطناعي قد يكون أداة مساعدة في التصميم والمعالجة البصرية، لكنه لا يعوض الرؤية الفنية ولا الخبرة البشرية، ولا يعفي القائمين على العمل من مسؤولية مراجعة النتيجة النهائية، وحين يتعلق الأمر بصور رموز فنية معروفة، تصبح دقة الملامح ووضوح التفاصيل جزءًا أصيلًا من الفكرة، لا مجرد تحسينات شكلية يمكن التغاضي عنها.
المشكلة إذن ليست في استخدام التكنولوجيا، وإنما في التعامل معها باعتبارها بديلًا عن الحس الفني والتدقيق البشري، فالأداة، مهما بلغت قدراتها، تظل وسيلة لتحقيق الرؤية، وليست ضمانًا لجودة النتيجة.
جدل يتكرر.. والسؤال لا يزال قائمًا
ما يزيد الأمر لفتًا للانتباه ، أن الجدل حول بوستر المهرجان يتكرر للعام الثاني على التوالي، ففي الدورة الماضية، أوضح رئيس المهرجان، الفنان حسين فهمي، أن البوستر الذي أثار الانتقادات كان تجريبيًا، لكن تصميم هذا العام أعاد طرح التساؤلات نفسها.
وخلال المؤتمر الذي عقد صباح اليوم، وجّهت سؤال إلى حسين فهمي، باعتباره رئيس المهرجان والمسؤول عن قراراته، فضلًا عن كونه فنانًا عاصر شادية ويعرف ملامحها جيدًا، وانصب السؤال على مدى قدرته على التعرف على شادية في البوستر، وكذلك على الفنانين الموجودين في الخلفية، في ظل عدم وضوح معظم الصور، باستثناء فنان أو اثنين، من بينهما رشدي أباظة.
وجاء رد فهمي بأن التعرف على الفنانين الموجودين في الخلفية ليس مهمًا، وهنا تحديدًا تكمن نقطة الخلاف، فإذا كان التعرف على رموز السينما المصرية ليس مهمًا، فما جدوى وضع صورهم في البوستر من الأساس؟ وإذا كانت الفكرة تقوم على الاحتفاء بتاريخ السينما، فكيف يتحقق هذا الاحتفاء من دون تقديم أصحاب هذا التاريخ بصورة واضحة تليق بمكانتهم؟
إن جمع صور الفنانين لا يكفي لصناعة بوستر ناجح، لأن القيمة الحقيقية تكمن في قدرة التصميم على استحضار رموز السينما وذاكرتها، لا الاكتفاء بوجود صور يصعب التعرف على أصحابها. ومن ثم، فإن وضوح الملامح ليس تفصيلة ثانوية، بل عنصر أساسي في نجاح الفكرة وتحقيق رسالتها، أما أن تظهر الصور بملامح غير واضحة، ثم يقال إن التعرف على أصحابها ليس مهمًا، فهو تبرير يصعب الاقتناع به؛ لأنه يتجاهل جوهر الفكرة التي اختارت الاحتفاء بهؤلاء الفنانين تحديدًا.
من صاحب التصميم؟ سؤال يتعلق بالشفافية
ثمة نقطة أخرى تستحق التوقف، وهي عدم الإعلان عن اسم مصمم البوستر، وفقًا للبيان الرسمي المرسل من إدارة المهرجان، فغياب اسم صاحب العمل يطرح تساؤلًا مشروعًا عن أسباب عدم نسب التصميم إلى صاحبه، خصوصًا أنه يمثل مهرجانًا بحجم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الإعلان عن اسم المصمم ليس تفصيلًا هامشيًا، بل جزء من احترام العمل الفني وتقدير صاحبه، كما أنه يتيح مناقشة التصميم وتقييمه وفق معايير مهنية واضحة.
فالنقد ينبغي أن يتجه إلى العمل ونتيجته، بعيدًا عن الشخصنة أو التجريح، لكن ذلك لا يتعارض مع حق الجمهور في معرفة صاحب العمل، ولا مع حق المصمم في أن ينسب إليه جهده، إن وضوح المسؤولية المهنية يفتح الباب أمام نقاش فني موضوعي، ويجعل تقييم العمل قائمًا على أسس واضحة، بدلًا من أن يظل الجدل محصورًا في النتيجة النهائية من دون معرفة الجهة التي تقف وراءها.
ترميم 27 فيلمًا.. الجانب الذي يستحق الإشادة
ومع ذلك، فإن التوقف عند أزمة البوستر لا ينبغي أن يحجب الجوانب الإيجابية في الدورة الجديدة، وفي مقدمتها ترميم 27 فيلمًا من أفلام الزمن الجميل، وهي خطوة مهمة تستحق الإشادة، لما تمثله من جهد في الحفاظ على التراث السينمائي المصري وإتاحته للأجيال الجديدة.
فترميم هذه الأفلام ليس مجرد استعادة لأعمال من الماضي، بل حماية لجزء من الذاكرة الفنية والثقافية المصرية، وإعادة تقديم أفلام مهمة بما يسمح للأجيال الجديدة باكتشافها ومشاهدتها، وهذه قيمة حقيقية تتجاوز حدود الاحتفاء الموسمي، لأنها تتصل بمسؤولية الحفاظ على تاريخ السينما وإرثها.
ومن هنا، فإن الإشادة بهذه الخطوة لا تتعارض مع نقد البوستر، كما أن انتقاد التصميم لا ينتقص من أهمية مشروع الترميم، فالمهرجان يستحق أن يقيَّم بموضوعية، وأن تقدَّر إنجازاته، وفي الوقت نفسه تراجع الأخطاء التي تؤثر في صورته.
المهرجان أكبر من بوستر
مهرجان القاهرة السينمائي الدولي أكبر من بوستر، بلا شك، لكن البوستر يظل أحد الوجوه الأولى التي يطل بها على جمهوره، والانطباع الأول لا يتشكل بالشعارات أو النوايا، وإنما بما يراه الجمهور على أرض الواقع، وكما يقول المثل، «الجواب يبان من عنوانه»، فإذا كان التصميم يستهدف الاحتفاء بتاريخ السينما المصرية، فمن الطبيعي أن تكون دقة الصور ووضوح الملامح في مقدمة الأولويات، لا أن تتحول إلى موضع جدل يسبق انطلاق المهرجان، لذلك، أتمنى من إدارة المهرجان إعادة مراجعة البوستر قبل طباعته واعتماده في صورته النهائية، والتأكد من أن التنفيذ يوازي قيمة الفكرة، وأن صور الفنانين تعكس مكانتهم وتليق بتاريخهم.
فمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، بما يمتلكه من تاريخ ومكانة، يستحق أكثر من فكرة جيدة؛ يستحق تنفيذًا جيدًا أيضًا.
