لم يكن الإعلان عن تدشين اتحاد مهرجانات السينما المصرية، أمس، بعد اجتماع رؤساء وممثلون عن مهرجانات السينما المصرية، بنقابة المهن السينمائية، مجرد خبر تنظيمي، بل أعاد إلى الأذهان مشروعًا طرح عام 2018، حين اجتمع كبار القائمين على المهرجانات السينمائية المصرية،علي هامش مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، بحضور ممثلي الدولة ونقابة السينمائيين واتحاد النقابات الفنية، واتفقوا على إنشاء كيان يجمع المهرجانات تحت مظلة واحدة، بهدف التنسيق، وتبادل الخبرات، والدفاع عن مصالحها، وتعزيز مكانة السينما المصرية كأحد أهم أدوات القوة الناعمة، ورغم اكتمال الرؤية آنذاك، فإن المشروع اختفى بهدوء، ولم يمارس أي دور، ليصبح مثالًا على الأفكار الجيدة التي توقفت قبل أن تتحول إلى واقع.
لماذا فشلت المحاولة الأولى؟
المشكلة لم تكن في غياب الأهداف، فقد كانت واضحة وطموحة، بدءًا من تنسيق أجندة المهرجانات، مرورًا بخلق شراكات دولية، وانتهاءً بالدفاع عن مصالحها أمام مؤسسات الدولة، لكن ما افتقده المشروع كان الإرادة التنفيذية وآليات العمل والمتابعة، فالكيانات المهنية لا تنجح بالاجتماعات والبيانات، وإنما باللوائح، والهيكل الإداري، والتمويل، والالتزام الجماعي، وعندما غابت هذه العناصر، وُئد الاتحاد قبل أن يرى النور، وبقي اسمه فقط في أرشيف الأخبار.
هل تغير المشهد؟
اليوم تبدو الحاجة إلى الاتحاد أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فقد تضاعف عدد المهرجانات، واتسعت خريطة الفعاليات، وأصبحت تحديات التمويل، وتداخل المواعيد، واستقطاب الضيوف، والتسويق الدولي، قضايا مشتركة لا يستطيع كل مهرجان التعامل معها منفردًا، ومن هنا تكتسب المبادرة الجديدة أهميتها، لأنها تسعى إلى تحويل المنافسة بين المهرجانات إلى تكامل، وإيجاد منصة لتبادل الخبرات والتنسيق، بما يخدم الصناعة السينمائية بأكملها.
انسحاب مبكر ورسائل مقلقة
لكن المفارقة أن ساعات قليلة فقط بعد الإعلان عن الاتحاد شهدت إعلان السيناريست محمد الباسوسي، رئيس مهرجان الغردقة لسينما الشباب، انسحابه من الكيان الجديد دون إبداء أسباب،
ورغم احترام حق أي طرف في الانسحاب، فإن توقيت القرار يثير تساؤلات حول مدى التوافق الحقيقي بين المؤسسين، ويؤكد أن الاتحاد لا يزال بحاجة إلى حوار أوسع، وآليات أكثر وضوحًا، تضمن الشفافية في اتخاذ القرار، وتحافظ على ثقة جميع أعضائه، فالنجاح لا يبدأ بالإجماع في الاجتماع الأول، وإنما بالقدرة على احتواء الخلافات واستمرار الشراكة.
الاتحاد ليس غاية.. بل وسيلة
ينبغي ألا يتحول الاتحاد إلى مؤسسة بيروقراطية جديدة، أو إلى منصة لتبادل المناصب والألقاب. قيمته الحقيقية ستكون في قدرته على تحقيق نتائج ملموسة، مثل تنسيق مواعيد المهرجانات، وتوحيد الخطاب أمام الجهات الرسمية، والمطالبة بتطبيق قرارات الدعم الحكومية، ووضع معايير مهنية للاستفادة من التمويل، وتبادل قواعد البيانات والخبرات، وبناء علاقات مؤسسية مع الاتحادات والمهرجانات الدولية، كما يجب أن يحافظ على استقلالية كل مهرجان، فلا يذيب خصوصيته، بل يعززها داخل إطار من التعاون.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
إذا كان اتحاد 2018 قد بقي مجرد فكرة على الورق، فإن النسخة الحالية أمام فرصة لتصحيح هذا المسار، لكن نجاحها لن يتحقق بمجرد إعلان التأسيس، بل بالالتزام بالتنفيذ، والشفافية، والعمل المؤسسي، فالسينما المصرية، بتاريخها ومكانتها، تستحق اتحادًا قويًا يعبرعن مهرجاناتها، لا بيانًا جديدًا ينضم إلى أرشيف المبادرات المؤجلة، واليوم، أصبح القائمون على هذا المشروع أمام مسؤولية مضاعفة؛ ليس فقط لإنجاح الاتحاد، بل لإثبات أن دروس الماضي قد استوعبت، وأن هذه المحاولة لن تلقى المصير نفسه الذي لقيته محاولة 2018.
