بقلم : محمد قناوي
لم يكن افتتاح الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري ، مساء أمس بحضور الدكتور عبد العزيز قنصوه، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة،، مجرد احتفال سنوي يجمع نجوم الفن على السجادة الحمراء، أو مناسبة لتوزيع الجوائز وتكريم الرواد، بل حمل في تفاصيله رسائل ثقافية وفكرية تعكس تحولًا مهمًا في فلسفة المهرجان ودوره داخل المشهد الثقافي المصري. فمنذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن الدورة الحالية تراهن على توسيع مفهوم المسرح باعتباره أداة للتنوير وبناء الإنسان، وليس مجرد نشاط فني موسمي.
العرض الافتتاحي “سفر”، الذي صاغه وليد عوني، لم يكن مجرد استعراض بصري، بل جاء معبرًا عن فكرة انتقال المسرح من المركز إلى الأطراف، ومن القاهرة إلى مختلف محافظات الجمهورية، وهي الفلسفة التي تبنتها إدارة المهرجان هذا العام، لتؤكد أن العدالة الثقافية لا تتحقق بالشعارات، وإنما بوصول الفن إلى جمهوره أينما كان.

الانتشار خارج القاهرة.. خطوة تاريخية
أهم ما يميز الدورة التاسعة عشرة هو خروج المهرجان لأول مرة بفعالياته المتكاملة إلى مدينة المنصورة، في تجربة يمكن اعتبارها نقطة تحول في تاريخ المهرجان. فاستضافة عشرات الفعاليات، والورش، والندوات، والعروض المسرحية داخل مدينة خارج العاصمة، يعكس إدراكًا بأن مستقبل المسرح المصري مرهون بقدرته على الوصول إلى جمهور جديد، واكتشاف طاقات إبداعية في المحافظات.
هذه الخطوة تكسر الصورة التقليدية للمهرجانات المركزية، وتفتح الباب أمام نموذج جديد يمكن تعميمه في السنوات المقبلة، بحيث تتحول كل دورة إلى احتفالية وطنية متنقلة، تعيد الحياة إلى المسارح الإقليمية، وتخلق جمهورًا أكثر ارتباطًا بالفن المسرحي.
الأرقام تكشف حجم الحراك المسرحي
الأرقام التي أعلنتها إدارة المهرجان لم تكن مجرد إحصاءات، بل مؤشر على حالة النشاط التي يعيشها المسرح المصري. استقبال 126 عرضًا للمسابقة الرسمية، وأكثر من 200 نص مسرحي، وتنظيم عشرات الورش والندوات، إلى جانب إقبال يقارب 20 ألف متقدم للمشاركة في الورش، يكشف أن المسرح لا يزال يمتلك قاعدة واسعة من الشباب الراغب في التعلم والإبداع.
هذه الأرقام تؤكد أن أزمة المسرح ليست في غياب الموهبة، وإنما في توفير الفرص واستمرار الدعم، وهو ما يبدو أن المهرجان يسعى إلى معالجته من خلال برامجه التدريبية والتنافسية.

تكريم الرواد.. حفاظ على الذاكرة الثقافية
اختيار أسماء بحجم إسعاد يونس، شهيرة، أحمد عبد العزيز، أحمد ماهر، والدكتور حمدي الجابري، وغيرهم، لم يكن مجرد احتفاء بأصحاب المسيرة الطويلة، بل رسالة تؤكد أن المسرح لا يبنى فقط بالمستقبل، وإنما أيضًا بالحفاظ على ذاكرته وتاريخه.
فالاحتفاء بالرواد يمنح الأجيال الجديدة نماذج حقيقية للاجتهاد والعطاء، ويؤكد أن الإبداع الممتد هو القيمة الأهم التي يسعى المهرجان لترسيخها.
المسرح.. استثمار في الإنسان
الرسالة الأبرز التي حملتها كلمات المسؤولين خلال الافتتاح، وفي مقدمتها كلمة الدكتور عبد العزيز قنصوه، تمثلت في التأكيد على أن دعم المسرح ليس دعمًا لفن بعينه، بل استثمار مباشر في الإنسان، وفي قدرته على التفكير والإبداع والحوار.
هذا الطرح يعيد المسرح إلى موقعه الطبيعي كأحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية، خاصة في ظل المتغيرات الاجتماعية والثقافية التي تشهدها المنطقة، والتي تجعل من الفن وسيلة لمواجهة التطرف والانغلاق، وبناء وعي مجتمعي أكثر انفتاحًا.

محمد رياض.. إدارة تراهن على التطوير
نجح الفنان محمد رياض، للعام الثالث على التوالي، في تقديم رؤية مختلفة للمهرجان، تقوم على الجمع بين الحفاظ على تقاليده العريقة، وإدخال أفكار جديدة تعزز حضوره وتأثيره.
فالاهتمام بالمؤلف المسرحي، والتوسع في الورش، وإحياء القراءة المسرحية، والانفتاح على المحافظات، كلها مؤشرات على أن إدارة المهرجان لا تكتفي بتنظيم العروض، وإنما تعمل على بناء منظومة متكاملة لدعم الحركة المسرحية.

المسرح بين الاحتفال وصناعة المستقبل
تكشف الدورة التاسعة عشرة أن المهرجان القومي للمسرح بدأ يتجاوز فكرة “المسابقة السنوية”، ليصبح منصة وطنية لتطوير المسرح المصري. وإذا استمرت هذه الرؤية، القائمة على اللامركزية، والتدريب، واكتشاف المواهب، والحفاظ على التراث المسرحي، فإن المهرجان سيكون أحد أهم المشروعات الثقافية القادرة على إعادة المسرح إلى مكانته التاريخية.
فالرهان الحقيقي لم يعد فقط على عدد العروض أو قيمة الجوائز، وإنما على قدرة المسرح على الوصول إلى المواطن المصري، والمساهمة في تشكيل وعيه، وترسيخ قيم الجمال والإبداع والانتماء. ومن هنا، تبدو الدورة التاسعة عشرة خطوة مهمة على طريق استعادة المسرح المصري لدوره الريادي، ليس باعتباره فنًا للترفيه، بل قوة ثقافية تصنع المستقبل.
