قصر البديع يحتضن نبض التراث المغربي بمهرجان الفنون الشعبية بمراكش

نادية الصبار – المغرب

تحول قصر البديع، أحد أبرز المعالم التاريخية بمدينة مراكش، مساء الثالث من يوليوز 2026، إلى منصة مفتوحة للاحتفاء بالموروث الثقافي المغربي، مع انطلاق فعاليات الدورة الخامسة والخمسين للمهرجان الوطني للفنون الشعبية، الذي يتواصل حتى السادس من يوليوز، تحت شعار «الفنون الشعبية.. كنوز الأمس واليوم».

ويؤكد اختيار قصر البديع لاحتضان العروض الرئيسية للمهرجان البعد الرمزي لهذا الحدث، إذ يلتقي التاريخ بالفن في فضاء شيده السلطان أحمد المنصور السعدي أواخر القرن السادس عشر، ليحتضن اليوم أحد أعرق المواعيد الثقافية في المغرب.

خمسة وخمسون عامًا من الحفاظ على الهوية

تمثل الدورة الحالية محطة استثنائية في تاريخ المهرجان، الذي يواصل منذ انطلاقه عام 1959 أداء رسالته في صون التراث الثقافي اللامادي، والحفاظ على الفنون الشعبية باعتبارها أحد أهم مكونات الهوية المغربية، فضلاً عن دوره في نقل هذا الإرث إلى الأجيال الجديدة وتعريف الزوار بثراء الثقافة المغربية وتنوعها.

وشهد حفل الافتتاح حضور شخصيات رسمية وثقافية بارزة، من بينها ممثلون عن وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ومسؤولون بجهة مراكش آسفي، إلى جانب عدد من السفراء والشخصيات الدبلوماسية، وأصدقاء المهرجان، فضلاً عن حضور إعلامي وطني ودولي، في مشهد يعكس المكانة التي بات يحتلها هذا الحدث على الساحة الثقافية.

أكثر من 700 فنان يحتفون بتنوع التراث المغربي

شهدت منصة قصر البديع عروضًا فنية قدمها أكثر من 700 فنان وفنانة يمثلون مختلف جهات المملكة، حيث تعاقبت على خشبة المسرح فرق تقدم ألوانًا تراثية متنوعة، من بينها أحيدوس، وكناوة، وعبيدات الرما، والركادة، وتاسكوين، والكدرة، وغيرها من الفنون التي تعكس ثراء الموروث الشعبي المغربي وتنوع روافده الثقافية والجغرافية.

وقدمت هذه العروض صورة بانورامية للمشهد التراثي المغربي، حيث امتزجت الموسيقى والرقصات والأزياء التقليدية في لوحات فنية جسدت الذاكرة الجماعية للمجتمع المغربي.

60 فرقة تنشر الفنون الشعبية في مختلف فضاءات مراكش

وأكد الدكتور محمد الكنيدري، رئيس جمعية الأطلس الكبير ومدير المهرجان، أن الدورة الخامسة والخمسين تتميز بمشاركة واسعة تضم 35 فرقة تقدم عروضها الرئيسية بقصر البديع، إلى جانب 25 فرقة أخرى تحيي عروضًا في مختلف فضاءات المدينة، بما يرسخ فلسفة المهرجان القائمة على تقريب الفنون الشعبية من الجمهور وإبراز التنوع الثقافي الذي تزخر به مختلف مناطق المغرب.

وأشار إلى أن الاحتفاء بخمسة وخمسين عامًا على انطلاق هذه التظاهرة يمثل تكريمًا للأجيال التي حافظت على الرقصات والأغاني والعادات الشعبية، مؤكداً استمرار المهرجان في أداء دوره الثقافي والتربوي لحماية التراث المغربي وصونه من الاندثار.

المدينة الحمراء تحتفي بالفن في شوارعها وساحاتها

ولم تقتصر أجواء الاحتفال على قصر البديع، بل امتدت إلى مختلف فضاءات مدينة مراكش، حيث جاب كرنفال الافتتاح شوارع المدينة في مشهد احتفالي جذب آلاف المتابعين من السكان والسياح، بينما احتضنت منصة قصر البلدية عروضًا موازية قدمتها الفرق المشاركة وسط تفاعل جماهيري كبير.

وشكلت هذه الفعاليات فرصة لالتقاء الجمهور مباشرة بالفنون الشعبية، في تجربة ثقافية مفتوحة أبرزت الطابع التشاركي للمهرجان، وحولت المدينة الحمراء إلى فضاء نابض بالموسيقى والإيقاعات والرقصات التراثية.

احتفال بالذاكرة… ورسالة للمستقبل

ومع تواصل فعاليات الدورة الخامسة والخمسين حتى السادس من يوليوز، يواصل المهرجان الوطني للفنون الشعبية ترسيخ مكانته باعتباره أحد أهم التظاهرات الثقافية في المغرب، ليس فقط من خلال ما يقدمه من عروض فنية، بل أيضًا عبر دوره في حفظ الذاكرة الجماعية وصون التراث اللامادي، وتعزيز حضور الثقافة الشعبية في المشهد الثقافي الوطني والدولي.

وبذلك، يتجاوز المهرجان مفهوم الاحتفال الموسمي، ليصبح مشروعًا ثقافيًا متجددًا يربط الماضي بالحاضر، ويؤكد أن الفنون الشعبية المغربية ستظل ركيزة أساسية في تشكيل الهوية الوطنية، وجسرًا يربط الأجيال بتاريخها وإبداعها المتوارث.