في السنوات الأخيرة سعت السينما المصرية إلى استعادة أفلام الملحمة التاريخية بعد غياب طويل لكن القليل فقط امتلك الجرأة الكافية للمغامرة داخل هذا النوع شديد التعقيد إنتاجياً وفنياً، ومن هنا يأتي فيلم «أسد» للمخرج محمد دياب باعتباره محاولة طموحة لصناعة فيلم تاريخي ذي روح عالمية، يمزج بين الدراما والخيال البصري والأكشن والرومانسية في إطار إنساني يتمحور حول العبودية والحرية
الفيلم لا يتعامل مع التاريخ بوصفه وثيقة جامدة بل بوصفه مساحة رمزية لصراع الإنسان ضد القهر وهو ما يظهر منذ اللحظات الأولى التي تبدأ في الغابات الأفريقية قبل أن تنتقل إلى القاهرة في القرن التاسع عشر حيث يختطف الطفل “أسد” ويباع في سوق العبيد لتبدأ رحلة طويلة من الألم والتحول والتمرد.
ورغم أن العمل يحمل لافتة “التاريخي”، فإن صناعه لم يلتزموا بالتوثيق التاريخي الدقيق بقدر اهتمامهم ببناء أسطورة إنسانية عن الحرية، وهو أمر منح الفيلم مساحة بصرية وشاعرية واسعة، لكنه في المقابل فتح الباب أيضاً لعدد من الملاحظات المتعلقة بالسيناريو والدقة التاريخية.
نجح الفيلم في تقديم شخصية “أسد” باعتبارها أكثر من مجرد عبد يسعى للهرب بل رمزا لإنسان سلبت منه هويته وكرامته فتحول التمرد داخله من حالة صامتة إلى ثورة كاملة

محمد رمضان..نضج كبير
وقدم محمد رمضان واحدا من أكثر أدواره نضجا مبتعدا نسبيا عن الصورة التقليدية التي ارتبطت به في أعماله السابقة معتمداً على الأداء الجسدي والانفعالات الصامتة أكثر من الاستعراض الكلامي المعتاد، واستطاع أن يمنح الشخصية حضورا إنسانيا واضحا خصوصا في لحظات الانكسار وفقدان الابن والرغبة في استعادة الذات
أما رزان جمال في شخصية “ليلى”، فقدمت حضورا بصريا مناسباً للشخصية، خاصة بوصفها ابنة تاجر العبيد التي تتمرد على عالم والدها، لكن الأداء لم يكن متساويا طوال الوقت، إذ بدت بعض المشاهد خالية من العمق الشعوري، خصوصاً مشهد تلقي خبر غرق طفلها، الذي كان يحتاج إلى مساحة انفعالية أكبر.
وكانت بحاجة إلى تدريب أكثر على اللهجة المصرية خاصة أن الشخصية لفتاة شامية تربت داخل المجتمع المصري وكان من المفترض أن تنعكس هذه النشأة بوضوح على طريقة النطق والأداء، تماماً كما حدث مع الطفل الذي جسد شخصية “أسد” في طفولته، والذي رغم أن الشخصية لم تكن تتحدث العربية أساساً نجح في إتقان اللهجة المصرية بصورة لافتة
ومن المفاجآت المهمة في الفيلم أداء علي قاسم في دور”يكن”، حيث نجح في تقديم شخصية شريرة مركبة لا تعتمد فقط على القسوة المباشرة، بل على التوتر النفسي والرغبة المرضية في السيطرة ويحسب له أنه خرج من مناطقه التمثيلية المعتادة إلى مساحة أكثر قتامة وتعقيدا
كذلك قدم كامل الباشا شخصية”محروس” بتمكن شديد كعادته في الأدوار المركبة التي تعتمد على الصراع الداخلي فبدا كتاجر عبيد قاس لكنه في الوقت نفسه أب مهزوم أمام ابنته وربما لم يمنح السيناريو الشخصية كل المساحات التي تستحقها، لكن موهبته فرضت حضورها بقوة
واحدة من أكثر الشخصيات إنسانية كانت شخصية “وردة” التي قدمتها إسلام مبارك بحس هادئ ومؤثر، حيث مثلت الضمير الإنساني داخل عالم النخاسة القاسي
بينما قدمت إيمان يوسف شخصية”درية” بأداء يحمل قدرا كبيرا من الألم المكتوم خاصة أن الشخصية تقوم على فكرة “الأم المنفية” التي تجبر على إنكار أمومتها حفاظاً على مكانة ابنها الاجتماعية.

قوة العناصر البصرية
لكن إذا كان التمثيل قد حقق قدرا كبيرا من التوازن فإن القوة الحقيقية للفيلم تكمن في عناصره البصرية مدير التصوير أحمد البشاري قدم واحدة من أهم نقاط قوة العمل، عبر صورة سينمائية ثرية بالتفاصيل والإضاءة القاتمة التي عكست قسوة العالم الذي يتحرك فيه الأبطال. هناك لقطات عديدة بدت وكأنها لوحات تشكيلية خاصة في مشاهد الغابات وسوق العبيد والمواجهات الليلية.
كما لعبت تصميمات الديكور التي نفذها أحمد فايز دوراً محوريا في خلق الإحساس بالحقبة الزمنية، دون الوقوع في فخ الفانتازيا المزيفة، بدا عالم الفيلم متسخا قاسيا ومليئا بالتفاصيل الحية وهو ما منح المشاهد شعورا بأنه يعيش داخل هذا الزمن بالفعل
أما الأزياء التي صممتها ريم العدل فقد جاءت متوافقة مع روح الفيلم، خصوصاً فكرة المزج بين الواقعية والرمزية، حيث تحولت السلاسل داخل ملابس “أسد” إلى امتداد بصري لفكرة العبودية التي تطارده حتى أثناء قيادته للثورة.
وعلى المستوى الموسيقي، استطاع هشام نزيه أن يخلق حالة سمعية ملحمية دون إفراط صاخب، معتمداً على الموسيقى الأوركسترالية الممتزجة بإيقاعات تعكس روح البيئة والزمن، فبدت الموسيقى وكأنها صوت داخلي للأبطال لا مجرد خلفية للمشاهد
لكن رغم هذا الإبهار البصري، يعاني الفيلم من أزمة واضحة في السيناريو والإيقاع فمدة الفيلم الطويلة لا تبدو مناسبة للجمهور المستهدف، خاصة مع وجود مط درامي في بعض الخطوط الجانبية التي كان يمكن اختصارها دون الإضرار بالحبكة الرئيسية.
إشكالية تاريخية
كذلك يقع العمل في إشكالية تاريخية واضحة إذ يتعامل مع فكرة إلغاء العبودية في مصر بصورة درامية مباشرة بينما التاريخ الفعلي يشير إلى أن إنهاء تجارة الرقيق جاء بشكل تدريجي بعد توقيع اتفاقيات ومعاهدات خلال عهد الخديوي إسماعيل في القرن التاسع عشر، ولم يكن نتيجة ثورة عبيد بالشكل الذي يقدمه الفيلم، وهنا يبدو أن السيناريو فضّل الحقيقة الدرامية على الحقيقة التاريخية، وهي مخاطرة قد يتقبلها البعض بوصفها حرية فنية، بينما يراها آخرون تشويهاً للتاريخ.
ومن أكثر المشاهد إثارة للتأمل ذلك المشهد الذي يمنح فيه “أسد”العبيد حرية الاختيار بين الحرب من أجل الحرية أو العودة إلى أسيادهم، فيختار عدد كبير منهم العودة إلى العبودية. مشهد شديد القسوة والدلالة، وكأن الفيلم يطرح سؤالا فلسفياً مرعبا هل يمكن للإنسان أن يخاف الحرية أكثر من خوفه من القيد؟ ، وهل تتحول العبودية أحياناً إلى منطقة أمان نفسية لمن اعتادوا عليها؟
ذلك المشهد تحديدا كان من أكثر لحظات الفيلم قوة فكريا لأنه تجاوز الصراع التقليدي بين الخير والشر إلى سؤال أعمق عن الإنسان نفسه، وعن قدرة القهر الطويل على تشكيل الوعي
لا يمكن اعتبار أسد فيلما كاملا أو خاليا من العيوب، لكنه بالتأكيد تجربة سينمائية جريئة تحاول إعادة تقديم”الفيلم الملحمي” بروح عربية وبمعايير بصرية قريبة من السينما العالمية. قد يختلف الجمهور حول دقته التاريخية أو طول مدته أو بعض اختياراته الدرامية، لكن من الصعب إنكار حجم الجهد المبذول في الصورة والإنتاج وبناء العالم السينمائي.
إنه فيلم يحاول أن يقول إن الحرية ليست قراراً سياسياً فقط، بل معركة نفسية وإنسانية طويلة، وأن أخطر أنواع القيود ليست تلك التي توضع في اليد، بل تلك التي تستقر داخل العقل.
