مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي .. السينما جسر بين الذاكرة والتحولات والبحث عن المعنى

محمد قناوي يكتب من عنابة :

برعاية وحضور وزيرة الثقافة والفنون الجزائرية ، د.مليكة بن دودة ، و وحضور السفير مصر في الجزائر السفير عبد اللطيف اللايح حيث تحل مصر كضيف شرف، ومحافظ المهرجان الناقد محمد علال، وتحت شعار “عنابة تعيش السينما” انطلقت مساء أمس ، فعاليات الدورة السادسة من مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي في لحظة تبدو فيها التظاهرات السينمائية العربية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتجاوز الطابع الاحتفالي نحو بناء مشروع ثقافي متكامل.

                                                           د.مليكة بن دودة
 توازن دقيق بين البعد الرمزي والرهان المهني

ومنذ حفل الافتتاح، بدا واضحًا أن هذه الطبعة تحاول تحقيق توازن دقيق بين البعد الرمزي والرهان المهني، بين الاحتفاء بالأسماء الكبيرة واستشراف تحولات الصناعة.

ورغم الطابع الاحتفالي الذي طغى على الافتتاح، فإن الخطاب العام للمهرجان – سواء من خلال الكلمات الرسمية أو طبيعة البرمجة – يشير إلى وعي متزايد بأن قيمة المهرجانات لا تقاس بعدد الضيوف أو السجادة الحمراء، بل بقدرتها على التأثير في المشهد السينمائي فعليًا.

تكريم الذاكرة ..هل يكفي لاستشراف المستقبل؟

اختارت إدارة المهرجان أن تفتتح دورتها بتكريم رموز راسخة في الذاكرة السينمائية، على غرار بهية راشدي وصالح أوقروت، إلى جانب أسماء عربية مثل إلهام شاهين وسهير المرشدي، فضلاً عن المخرج العالمي بيل أوغست، هذه الاختيارات تعكس وفاءً مستحقًا لمسارات صنعت جزءًا من تاريخ السينما، لكنها في الوقت ذاته تطرح سؤالًا وجوبيا، هل يظل استحضار الماضي كافيًا لصناعة هوية مستقبلية للمهرجان؟

الإجابة تبدو جزئية، فالتكريم، رغم أهميته الرمزية، يحتاج إلى أن يستكمل برؤية إنتاجية حقيقية تدعم الأجيال الجديدة، وهو ما بدأت الدورة الحالية تلامسه عبر بعض المبادرات المهنية.

مصر ضيف شرف .. دلالة ثقافية تتجاوز البروتوكول

لم يكن اختيار مصر كضيف شرف مجرد لفتة دبلوماسية، بل يحمل بعدًا ثقافيًا عميقًا، خاصة مع الاحتفاء بمئوية يوسف شاهين ، عبر عروض لأفلام مثل “باب الحديد وعودة الابن الضال”، ومعرض “يوسف شاهين والسينما الجزائرية”، يحاول المهرجان إعادة ربط الأجيال الجديدة بجذور السينما المؤلفة، في خطوة ذكية تعيد طرح سؤال الهوية السينمائية في زمن العولمة البصرية.

 

يشهد الحدث حضور عدد من النجوم المصريين كضيوف شرف، من بينهم : إلهام شاهين ، محمد لطفي وسهير المرشدي وسيف عبد الرحمن وخالد يوسف، والمخرجة عزة الحسيني مدير مهرجان الأقصر للسينما المصرية والأمير أباظة رئيس مهرجان الأسكندرية لدول البحر المتوسط  والمخرج مازن الغرباوي رئيس مهرجان شرم الشيخ للمسرح الشبابي والمخرج عبد الوهاب شوقي ، إلى جانب مشاركة رانيا فريد شوقي في عضوية لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة ، والفنانتين سلوي محمد علي وداليا مصطفي في عضوية لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة ، ما يعزز الحضور المصري على أكثر من مستوى، هذا الحضور المصري لم يقتصر على العروض، بل امتد إلى الندوات واللجان، ما يعكس رغبة في خلق حوار نقدي، لا مجرد احتفاء شكلي.

برمجة ثرية .. وتحدي الانتقاء

بمشاركة نحو 55 فيلمًا من 20 دولة، تقدم الدورة السادسة بانوراما متنوعة للسينما المتوسطية، تتوزع بين الروائي والوثائقي والقصير، هذا التنوع يمنح المهرجان ثراءً بصريًا وفكريًا، لكنه يضعه أيضًا أمام تحدٍ حقيقي ، هل الكثافة تعني الجودة؟ .. في كثير من المهرجانات، تتحول الوفرة إلى عبء برمجي إذا لم تصاحبها رؤية انتقائية واضحة، وهنا يختبر المهرجان في قدرته على خلق خط برمجي متماسك يعكس هوية فنية محددة، بدل الاكتفاء بالتنوع العددي.

من العرض إلى الصناعة .. خطوة في الاتجاه الصحيح

أحد أبرز التحولات اللافتة في هذه الدورة هو توجه المهرجان نحو دعم الصناعة، عبر “أيام عنابة لصناعة السينما” واستقطاب أكثر من 200 مشروع، هذه الخطوة تمثل انتقالًا مهمًا من منطق “عرض الأفلام” إلى “صناعة الأفلام”، وهو التحول الذي يميز المهرجانات المؤثرة عالميًا، كما أن إدراج مسابقة للأفلام المنتجة بالذكاء الاصطناعي يعكس وعيًا بالتغيرات التكنولوجية التي تعيد تعريف اللغة السينمائية، ومع ذلك، يبقى التحدي في استمرارية هذه المبادرات وتحويلها إلى منصات إنتاج حقيقية، لا مجرد فقرات موازية.

السينما كجسر.. شعار يختبره الواقع

تحت شعار “عنابة تعيش السينما”، يراهن المهرجان على دور الفن السابع كوسيط للحوار بين ضفتي المتوسط، وهو رهان يتكرر في معظم التظاهرات، لكنه هنا يكتسب بعدًا خاصًا بحكم الموقع الجغرافي والتاريخي للجزائر، غير أن تحقيق هذا الشعار لا يتوقف عند جمع الأفلام من دول مختلفة، بل يتطلب بناء خطاب سينمائي يعكس فعليًا قضايا الإنسان المتوسطي، بعيدًا عن القوالب الجاهزة أو التأثيرات التجارية السائدة.

مهرجان في مرحلة التشكل

تكشف الدورة السادسة من مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي عن مهرجان يتحرك في منطقة وسطى بين الطموح والتأسيس، فهو من جهة ينجح في خلق زخم ثقافي وفني لافت، ويؤكد حضوره الإقليمي، ومن جهة أخرى لا يزال يبحث عن بصمته الخاصة التي تميّزه عن بقية المهرجانات المتوسطية، هي دورة تؤسس أكثر مما تحسم، وتطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات،
لكن في عالم السينما، قد يكون طرح السؤال الجيد هو البداية الحقيقية لأي تحول.