محمد قناوي يكتب: « سوا سوا»..بين صدق المشاعر وارتباك المعالجة

منذ التجربة المشتركة في «مطعم الحبايب»، راهن قطاع واسع من الجمهورعلى الكيمياء الخاصة بين أحمد مالك وهدى المفتي،  في «سوا سوا» يتحول هذا الرهان إلى حجر أساس يبنى عليه العمل بأكمله؛ فالعلاقة بين إبراهيم «هيما» وأحلام ليست مجرد خط رومانسي، بل عمود عاطفي يحاول أن يحمل فوقه شبكة من القضايا الاجتماعية والإنسانية المتشابكة.

ينتمي «سوا سوا» إلى الدراما الشعبية الرومانسية، لكنه يغامر بطرح أسئلة ثقيلة: المرض، الفقر، السلطة الأبوية، الاتجار بالأعضاء، خيانة الصداقة، والوصاية على جسد المرأة وقرارها، «أحلام»، الفتاة المصابة بالسرطان، لا تواجه المرض وحده، بل تواجه منظومة كاملة ترى في زواجها “حلًا اقتصاديًا” لأزمتها الصحية، قرار الأب بتزويجها من أمير الثري، متجاهلًا حبها لإبراهيم، ليس حدثًا دراميًا فرديًا بقدر ما هو انعكاس لبنية اجتماعية تعتبر الفتاة عبئًا يجب “نقله” من وصاية رجل إلى آخر.

المفارقة الأكثر قسوة أن أحلام تفكر في ارتكاب جريمة لتُسجن، فقط لتحصل على العلاج على نفقة الدولة. هنا يطرح المسلسل سؤالًا صادمًا : كيف يصبح السجن أحيانًا أكثر رحمة من المجتمع؟ هذا الطرح يمنح العمل قيمة توعوية حقيقية، ويخرجه من مجرد قصة حب إلى مساحة نقد اجتماعي واضح.

اداءات ناضجة

أداء أحمد مالك يحمل لحظات شديدة الصدق، خاصة في مشاهد الانهيار أمام جلسات الكيماوي، أو بكائه على جده، أو خوفه الدائم على شقيقه من ذوي الاحتياجات الخاصة، مالك يجيد ما يمكن تسميته بـ«الانفعال المكتوم»، حيث لا يصرخ كثيرًا، بل يترك العيون والارتجافة الخفيفة تنوبان عن الخطابة.

في المقابل، تقدم هدى المفتي شخصية «أحلام» بتركيبة تجمع بين الهشاشة والعناد، الجدل حول  شكل البنت في الحواري الشعبية  يكشف إشكالية أعمق، هل مطلوب من الدراما أن تعيد إنتاج الواقع حرفيًا؟ أم أن عليها خلق واقعها الخاص؟ الاعتراض على المكياج أو الستايل يفترض وجود نموذج بصري واحد للطبقة الشعبية، وهو افتراض يتجاهل تحولات الشارع نفسه تحت تأثير السوشيال ميديا وثقافة الصورة، المصداقية هنا لا تأتي من التطابق الفوتوغرافي، بل من انسجام الشخصية داخل عالم العمل.

حركة «علامة النصر» وترديد كلمة «سوا سوا» تحولت إلى لازمة عاطفية، تعيد تثبيت مفهوم الشراكة في مواجهة القهر، قد تبدو التفصيلة بسيطة، لكنها صنعت رابطًا وجدانيًا قويًا مع الجمهور.

حضور أسماء قادرة على إنقاذ المشهد

يحسب للعمل حضور أسماء قادرة على إنقاذ المشهد حتى في لحظات الترهل الدرامي،  شريف دسوقي يضيف بلمساته الإنسانية صدقًا خاصًا، بينما يمنح خالد كمال شخصية مدير المستشفى أبعادًا نفسية تتجاوز النمطية، خاصة مع الخلفية المرتبطة بعلاقة أم مسيطرة تجسدها – سوسن بدر-  بأداء بارد وشرس في آن واحد،  فكرة استنساخ المرض النفسي عبر الأجيال طرحت بذكاء، حتى لو لم تستثمر دراميًا بالعمق الكافي.

أما خط نجوى – نهى عابدين- واستغلالها لعظيمة – أحمد عبد الحميد-، فيقدم قراءة معاصرة لفكرة الخيانة الناعمة؛ استغلال البراءة عبر الاحتواء الزائف، هذا الخط يحمل توترًا نفسيًا لافتًا، ويكشف جانبًا من عالم الانتهازية الصغيرة التي تنمو في البيئات المضغوطة اقتصاديًا.

على مستوى الصناعة، يبدو أن النص الذي كتبه مهاب طارق كان يحمل إمكانات أكبر مما ظهر على الشاشة، هناك تذبذب في إيقاع الحلقات، ونهايات باردة لا تخلق التشويق الكافي، بعض المشاهد الخارجية لم تقدم جديدًا بصريًا مقارنة بأعمال أخرى راهنت مؤخرًا على جماليات الشارع الشعبي، هنا تظهر ملاحظة تتعلق بحضور المخرج عصام عبد الحميد؛ إذ يشعر المشاهد أحيانًا بغياب البصمة التي توحد الأداء والإيقاع في نسيج متماسك، العمل لا يفتقر إلى عناصر جيدة، لكنه يفتقر إلى يد قوية تعيد ترتيبها ضمن رؤية أكثر إحكامًا.

التتر والبعد الوجداني

أغنية التتر بصوت بهاء سلطان تضيف بعدًا وجدانيًا مهمًا، الكلمات التي تؤكد فكرة «سوا سوا هنعدي » تعزز الثيمة الرئيسية، المشاركة كخلاص وحيد، الموسيقى هنا ليست زينة، بل امتداد درامي للحكاية.

«سوا سوا» مسلسل ينجح في لمس القلب أكثر مما ينجح في إحكام البناء، قوته الأساسية في صدق بعض الأداءات، وفي جرأته على طرح قضايا حساسة تمس الطبقات المهمشة، ضعفه في المعالجة المتذبذبة، وإيقاع لا يحافظ دائمًا على التوتر المطلوب.

هو عمل يحمل روحًا صادقة وإحساسًا حقيقيًا، لكنه كان في حاجة إلى رؤية إخراجية أكثر حسمًا ونص أكثر تركيزًا ليصبح تجربة استثنائية. و

مع ذلك، تبقى ثنائية مالك والمفتي، إلى جانب بعض الأداءات الداعمة المميزة، سببًا كافيًا لمنح المسلسل فرصة للمشاهدة… لأن الأمل، كما يردّد أبطاله، لا يعاش إلا «سوا سوا».