من بيروت إلى باريس: «فيروزيات» تُعيد تعريف التراث بقيادة د. أمل قرمازي

في قلب باريس، وعلى خشبة مسرح «باتاكلان» العريق، شهدت العاصمة الفرنسية أمسية استثنائية حملت عنوان «فيروزيات»، أعادت خلالها أوركسترا «مزيكا» العالمية تقديم إرث السيدة فيروز في حفل مكتمل العدد، بدا أقرب إلى تظاهرة ثقافية عابرة للحدود، حيث التقت الذاكرة العربية بالذائقة الغربية تحت سقف موسيقي واحد.

اللافت في الأمسية لم يكن فقط الإقبال الجماهيري الكثيف، بل التنوع اللافت للحضور، الذي ضم جمهورًا عربيًا وأوروبيًا، إلى جانب شخصيات دبلوماسية وأسماء بارزة من الوسطين الفني والثقافي، ما أضفى على الحفل طابعًا يتجاوز فكرة «النوستالجيا»، ليضع موسيقى فيروز في سياقها الإنساني والعالمي الأوسع.

قراءة أوركسترالية لروح فيروز

بقيادة المايسترا الدكتورة أمل قرمازي، وبمشاركة الفنانة كارلا رميا وعدد من الموسيقيين الفرنسيين، قدّمت أوركسترا «مزيكا» برنامجًا موسيقيًا ضمّ 23 أغنية من روائع فيروز، تنوّعت ألحانها بين أعمال الأخوين رحباني، وزياد الرحباني، وزكي ناصيف، وغيرهم من كبار صنّاع هذا الإرث الخالد.

الأعمال أعيدت صياغتها أوركستراليًا ضمن رؤية فنية تحترم الأصل وتتحاور معه، مستلهمة أنماطًا موسيقية عالمية مثل الجاز والبوسا نوفا، من دون المساس بجوهرها الشرقي أو تفريغها من حساسيتها العاطفية الأولى.

أمل قرمازي: الوفاء قبل التجديد

وفي تصريح لها، أكدت الدكتورة أمل قرمازي أن التحدي الأكبر كان في تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على روح الأغنيات الأصلية وتقديمها في قالب أوركسترالي معاصر، قائلة:
«حرصنا على احترام الأعمال كما وُلدت في الذاكرة الجمعية، خصوصًا توزيعات زياد الرحباني التي لا تقبل المزايدة، مع تحديث بعض الأعمال الأخرى ضمن صياغة أوركسترالية تحافظ على جوهرها الشرقي».

كارلا رميا .. صوت يحترم الإرث

أما اختيار الفنانة كارلا رميا، فجاء بوصفه قرارًا فنيًا مدروسًا، لما يتمتع به صوتها من قدرة على تقديم أداء حيّ يوازي جودة التسجيلات الاستوديو، مع حساسية عالية تحترم البناء الأوركسترالي المعقّد، وتحافظ على روح الأغنيات بعيدًا عن محاولات الاستسهال أو التشويه التي طالت بعض أعمال فيروز في السنوات الأخيرة.

«مزيكا» وتجربة تتخطى الحفل

من جهته، عبّر الدكتور شادي حاكمة، رئيس الشركة المنظمة، عن مفاجأته بحجم الطلبات التي تلقاها الفريق بعد الحفل لإعادة تقديم «فيروزيات» في مدن ودول أخرى، مؤكدًا أن عشق أوركسترا «مزيكا» لموسيقى فيروز هو الدافع الأساسي لتقديم هذا المشروع وفق أعلى المعايير الموسيقية العالمية.

وأشار إلى أن الأوركسترا سبق أن قدّمت حفلًا تكريميًا لفيروز قبل عامين بدعوة رسمية من الدولة الفرنسية، بحضور تجاوز سبعة آلاف شخص، لتُعد «مزيكا» اليوم من بين قلّة من الأوركسترات عالميًا التي تخصص برنامجًا مستقلًا قائمًا بذاته لأعمال فيروز.

تصفيق يختصر المعنى

وفي ختام الأمسية، وقف جمهور باتاكلان مصفقًا لدقائق طويلة، في لحظة بدت أشبه باعتراف جماعي بقوة هذا التراث وقدرته الدائمة على التجدد.

داخل القاعة، التقت ذاكرة عربية تشكّلت على وقع هذه الأغنيات، مع آذان غربية تكتشفها أو تعيد اكتشافها، بلا حاجة إلى ترجمة كاملة.

هكذا أكدت «فيروزيات» أن موسيقى فيروز لا تنتمي إلى زمن واحد أو جغرافيا محددة، بل تظل مساحة مشتركة للحنين والدهشة معًا، كلما قدّمت بصدق واحترام، قادرة على جمع العالم في قاعة واحدة.