يطرح سؤال العلاقة بين السينما والنقد بوصفه سؤالًا إشكاليًا قديمًا متجدّدًا: من يقود من؟ هل تقود السينما فعلَ النقد، أم أن النقد هو الذي يوجّه السينما ويضبط مسارها؟ غير أن هذا السؤال، على أهميته، يبقى ناقصًا إذا لم يربط بالسؤال الأهم، والمتعلّق بالإنتاج باعتباره الشرط الأول لأي حوار سينمائي حقيقي، والقاعدة التي يقوم عليها كل فعل نقدي جاد.
النقد بوصفه فعلًا مرافقًا للإبداع
في السياق الطبيعي لتطوّر الفنون، تتقدّم السينما بوصفها فعلًا إبداعيًا حيًا، وتأتي الكتابة النقدية لاحقًا لتحليل هذا الفعل وتأويله ووضعه في سياقه الجمالي والفكري والاجتماعي.
النقد هنا لا يقود السينما بقدر ما يرافقها، ويمنحها عمقًا إضافيًا، ويساهم في تطويرها عبر كشف مكامن القوة والضعف فيها، إلا أن هذا التوازن يبدو مختلًا في السياق العربي عمومًا، والفلسطيني على وجه الخصوص، حيث تنتَج أفلام كثيرة لا تناقَش ولا تقابَل بنقد حقيقي، وكأن فعل الإنتاج وحده كافٍ لتبرير وجود الفيلم واستمراره.
الإنتاج بلا مساءلة… سينما بلا ذاكرة
لا تكمن الإشكالية في قلّة الإنتاج فقط، بل في طبيعة العلاقة بين الإنتاج وما بعده، فعدد غير قليل من الأفلام ينجَز بدافع الواجب الوطني أو القضية، أو استجابة لشروط التمويل، أو رغبة في المشاركة بالمهرجانات، أو لمجرد إنجاز فيلم بوصفه حدثًا قائمًا بذاته.
بعد العرض أو العرضين، تدخل هذه الأفلام في دائرة الصمت: لا نقاش، ولا مساءلة، ولا قراءة جمالية أو فكرية، في هذه الحالة تتحوّل السينما من ممارسة ثقافية حيّة إلى منتج عابر بلا ذاكرة، مهما كانت نواياه نبيلة أو قضيته عادلة.
أهمية النقد في بناء التراكم السينمائي
إن الفيلم الذي لا يواجه النقد لا يدخل في تراكم معرفي، ولا يساهم في تطوير اللغة السينمائية، ولا ينتج وعيًا جديدًا، بل يبقى تجربة معزولة ومنقطعة عن سياقها، فالنقد ليس ترفًا ثقافيًا، بل هو شرط من شروط تطوّر السينما واستمراريتها بوصفها فنًا مؤثرًا.
لماذا يغيب النقد؟
تتعدّد أسباب غياب النقد أو تجاهله، من بينها الخلط بين النقد والهجوم الشخصي، والحساسية المفرطة لدى بعض صنّاع الأفلام تجاه أي قراءة نقدية، واعتبار النقد مساسًا بالقضية أو تشكيكًا في النوايا.
يضاف إلى ذلك غياب نقّاد سينمائيين متخصصين يمتلكون أدوات تحليل حقيقية، وضعف المنصّات الإعلامية القادرة على احتضان نقد جاد ومستقل، وهيمنة المجاملة في المهرجانات والفعاليات الثقافية، في مثل هذه البيئة، يصبح النقد إما صامتًا، أو متواطئًا، أو هامشيًا، ويفقد دوره بوصفه فعلًا ثقافيًا فاعلًا.
علاقة جدلية لا تقوم في الفراغ
وفي المقابل، لا يمكن للنقد أن يوجد في الفراغ؛ فالنقد الذي لا يستند إلى إنتاج حقيقي يتحوّل إلى تنظير بلا أثر.
العلاقة بين السينما والنقد علاقة جدلية، لا تقوم على أسبقية أحدهما على الآخر، بل على تفاعلهما معًا في إطار بيئة صحية تسمح بالإنتاج والتلقّي والمساءلة.
خصوصية الحالة الفلسطينية
في الحالة الفلسطينية، تزداد هذه الإشكالية تعقيدًا، إذ تحمل السينما الفلسطينية عبئًا يتجاوز البعد الفني إلى البعد السياسي والتوثيقي، وغالبًا ما تقرأ أفلامها بوصفها موقفًا أو شهادة، لا بوصفها نصًا سينمائيًا قابلًا للتحليل والنقد.
المفارقة هنا أن كثيرًا من الأفلام الفلسطينية تتلقّى قراءات نقدية أعمق في الخارج أكثر مما تحظى به في سياقها المحلي، وكأن الإنتاج موجَّه للعالم أكثر مما هو موجَّه لحوار داخلي فلسطيني وعربي.
خاتمة: السينما لا تكتمل إلا بالنقد
إن السينما التي تخشى النقد هي سينما تخشى التطوّر، كما أن النقد الذي لا يجد إنتاجًا جادًا يحاوره يبقى بلا جدوى حقيقية، الطريق إلى سينما ناضجة لا يمرّ فقط عبر الكاميرا والتمويل، بل عبر إنتاج واعٍ بدوره الثقافي، ونقد مستقل وشجاع، وعلاقة صحية بين المخرج والناقد تقوم على الإيمان بأن المساءلة ليست إدانة، بل شرط من شروط النضج الفني… فالسينما تبدأ بالإنتاج، لكنها لا تكتمل إلا بالنقد
