عشر سنوات تصنع الحلم: كيف تحوّل مهرجان شرم الشيخ إلى مؤسسة مسرحية عالمية؟

في ندوة احتفائية باليوبيل البرونزي لمهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، تكشّفت أمام الحضور حكاية عشر سنوات من الإصرار والعمل الدؤوب، سنوات امتزجت فيها الأحلام بالتحديات، لتصنع واحدة من أهم التجارب المسرحية العربية المعاصرة. الندوة التي شارك فيها مؤسس المهرجان ورئيسه الفنان مازن الغرباوي، ومديرته العامة الدكتورة إنجي البستاوي, إلى جانب الكاتب إبراهيم الحسيني، وأدارها المخرج والناقد جمال عبد الناصر، لم تكن مجرد جلسة استرجاعية، بل جاءت كوثيقة حية لمسار تحوّل مهرجان ناشئ إلى مؤسسة حقيقية ذات حضور إقليمي ودولي.

المهرجان… مشروع لا مجرد فعالية

استهل جمال عبد الناصر حديثه بالتأكيد على أن المهرجان لم يبنَ بوصفه فعالية فنية عابرة، بل باعتباره مشروعًا ثقافيًا للنهوض بالمسرح وتطويره، ومنصة لصناعة جيل جديد من الفنانين الشباب. هنا ظهرت أولى سمات التجربة: الرؤية. فقد استطاع المهرجان منذ دوراته الأولى أن يعكس صورة مدينة شرم الشيخ كفضاء عالمي للثقافة، عبر انفتاحه على تجارب مسرحية من مختلف دول العالم.

مازن الغرباوي… من الحلم إلى المؤسسة

تجربة الغرباوي تكشف عن نموذج فريد لقيادة ثقافية شابة امتلكت الإيمان بالمشروع. فقد أعاد في حديثه سرد رحلة التأسيس منذ عام 2013، مرورًا بحادثة الطائرة، وصولًا إلى دعم وزارة الشباب والرياضة، واحتضان الفنانة القديرة سميحة أيوب التي منحته الشرعية الفنية والمعنوية.
عمل الغرباوي —كما يقول— 18 ساعة يوميًا لإطلاق الدورة الأولى في 2016، التي جاءت «بمعجزة»، لكنها سرعان ما وضعت المهرجان على خريطة المهرجانات العربية. المثير في حديثه هو وعيه بأن المشروع ليس شخصيًا، بل هو تمثيل لمصر وصورتها المسرحية أمام العالم.

إنجي البستاوي… الوعي الذي صنعته التجربة

تحدّثت البستاوي بصدق عن أثر المهرجان في تكوين شخصيتها الثقافية. بدأت بإخراج حفلي الافتتاح والختام، ثم أصبحت المدير التنفيذي، لتكتشف —كما قالت— أن الاحتكاك اليومي بفئات متعددة صنع وعيًا جديدًا لديها، وفتح لها آفاقًا واسعة. شهادتها تكشف جانبًا جوهريًا في تجربة المهرجان: أنه ليس مجرد منصة للعروض، بل مدرسة لصناعة الكوادر الثقافية.

طارق عمار… وثيقة اليوبيل

بدوره أشار الدكتور طارق عمار إلى أن الدورة الأولى جاءت في ظروف بالغة القسوة، ومع ذلك حققت حضورًا فارقًا. كما استعرض تطور المسابقات من مسابقة واحدة إلى أربع، إضافة إلى مسابقات للبحث العلمي والتأليف، وصولًا إلى خروج المهرجان خارج مصر، في نسخ أُقيمت ببولندا وغيرها. ما يعزّز فكرة أن شرم الشيخ لم يعد حدثًا سنويًا، بل علامة دولية متحركة.

إبراهيم الحسيني… التنظيم يصنع النجاح

أما الكاتب إبراهيم الحسيني فسلّط الضوء على البعد التنظيمي، مشيرًا إلى أن الغرباوي «حوّل نفسه إلى مؤسسة»، عبر قدرة عالية على التخطيط والبحث المستمر عن الشراكات والعروض النوعية. شهادته تعكس أن المهرجان بات اليوم جاذبًا للدول العربية الراغبة في المشاركة؛ وهو مؤشر على قوة «البراند» الذي نجح المهرجان في بنائه.

خلاصة تحليلية

تؤكد الندوة أن مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي ليس مجرد احتفال بمرور عشر سنوات، بل هو تتويج لمسار طويل من العمل المؤسسي والرهان على الشباب. لقد بدأ كفكرة شخصية، ثم تحوّل إلى منصة عربية كبرى، ثم إلى مؤسسة دولية تنتج الوعي، وتحتضن المواهب، وتفتح أبواب المسرح للعالم.
إنها تجربة تثبت أن الإيمان بالمشروع، حين يقترن بالعمل الجاد، يمكنه أن يصنع فارقًا حقيقيًا في المشهد الثقافي.