مكرمو مهرجان شرم الشيخ المسرحي.. الفن ذاكرة ومسؤولية تجاه الأجيال

محمد قناوي يكتب:

لم تكن ندوة الاحتفاء بمكرمي الدورة الحادية عشرة من مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي مجرد مساحة لاستعادة ذكريات فنية أو تبادل كلمات التقدير، بقدر ما تحولت إلى نقاش حول معنى الإبداع، ومسؤولية الفنان تجاه مجتمعه، وكيف يمكن للخبرة المتراكمة أن تتحول إلى رافد حقيقي للأجيال الجديدة. وبين تجارب سهير المرشدي وأحمد بدير ومحمد مرسي وديانا لازار وأحميدة عياشي، تعددت الرؤى، لكن تقاطعت جميعها عند فكرة أساسية: قيمة الفن لا تقاس بما يقدمه صاحبه فقط، وإنما بما يتركه من أثر.

الندوة، التي أدارها الناقد والكاتب الصحفي باسم صادق، رئيس قسم المسرح بجريدة الأهرام، كشفت عن اختلاف زوايا النظر إلى التجربة الفنية؛ من علاقة الفنان بالتاريخ والهوية، إلى الانضباط والعمل، وصولاً إلى ضرورة توثيق العروض المسرحية وعدم تركها تختفي بانتهاء المهرجانات.

سهير المرشدي.. التكريم بوصفه مسؤولية

جاء حديث الفنانة سهير المرشدي، التي تحمل الدورة الحادية عشرة اسمها، أبعد من التعبير عن الامتنان لتكريم يحمل قيمة معنوية خاصة في مسيرتها، فقد قدمت تصوراً لدور الفنان باعتباره شاهداً على عصره، لا مجرد مؤدٍ لشخصيات أو ناقل لنصوص، مؤكدة أن المبدع الحقيقي هو الذي يحب فنه ووطنه، ويستوعب الأبعاد التاريخية والاجتماعية والسياسية لزمنه، ويقرأ تجارب من سبقوه ليعبر عن واقعه ويستشرف المستقبل.

وربطت المرشدي بين الوعي والثقافة والقدرة على الإبداع، معتبرة أن الفنان لا يستطيع تقديم تجربة مؤثرة دون معرفة إنسانية واسعة، وأن كل شخصية يجسدها تضيف إلى تكوينه وتفتح أمامه آفاقاً جديدة للفهم والتأمل.

ومن هنا جاءت إشارتها إلى شخصية إيزيس، وما تمثله من عمق حضاري وارتباط بالتاريخ المصري، إلى جانب تأملها في الطبيعة بوصفها مصدراً للخيال واكتشاف الحياة.

واستعارت صورة البذرة التي تنمو في أرض مصر لتعبّر عن علاقتها بوطنها ومسؤوليتها تجاهه، قائلة إنها تريد أن تتحول إلى شجرة تمنح الظل للآخرين.

لكن الرسالة الأهم في حديثها كانت موجهة إلى الشباب؛ إذ لم تنظر إليهم باعتبارهم مجرد مستفيدين من المهرجانات، بل شركاء في استمرارها والدفاع عن رسالتها. فالشباب، في رؤيتها، يحتاجون إلى فرص حقيقية للقراءة والتثقيف والتعبير عن قضايا مجتمعهم، والقدرة على مناقشة إيجابياته وسلبياته بوعي وجرأة.

أحمد بدير.. المهرجان لا ينتهي بإغلاق الستار

انتقل الفنان أحمد بدير من استعادة بداياته المرتبطة بالمسرح الجماهيري والجامعات ومراكز الشباب وقصور الثقافة، إلى طرح قضية تتجاوز حدود التكريم والاحتفاء، وتتعلق بمصير العروض المسرحية بعد انتهاء المهرجانات.

فبدير، الذي حصل على درع سميحة أيوب التقديري، يرى أن المشكلة ليست في تقديم العروض خلال أيام المهرجان فقط، وإنما في غياب آليات تضمن استمرارها ووصولها إلى جمهور أوسع. ومن هنا دعا إلى تسجيل العروض الفائزة وتصويرها بالتعاون مع وزارة الثقافة والتلفزيون، حتى لا تظل التجارب الشبابية حبيسة أيام العرض أو ذاكرة المشاركين فيها.

وهذا الطرح يضع المهرجانات أمام مسؤولية تتجاوز التنظيم واستضافة الفرق وتوزيع الجوائز؛ فالتوثيق ليس إجراءً أرشيفياً فحسب، بل وسيلة لحماية التجارب وإتاحة فرصة مشاهدتها وتقييمها والاستفادة منها، وتحويلها إلى مرجع للأجيال التالية.

واستحضر بدير تجربة محمد صلاح، باعتبارها نموذجاً لقدرة الموهبة التي تبدأ من ظروف محدودة على الوصول إلى العالمية متى وجدت الفرصة والدعم، في إشارة إلى أن المواهب المسرحية الشابة لا تحتاج إلى الإشادة وحدها، وإنما إلى مسارات حقيقية للاستمرار.

محمد مرسي.. الانضباط يصنع التجربة

أما المخرج محمد مرسي، المكرم بدرع الشباب، فقد قدم جانباً من رحلته التي تداخل فيها المسرح مع الرياضة منذ الطفولة، موضحاً أن ممارسة كرة القدم أسهمت في تشكيل شخصيته، ومنحته قيم الانضباط والالتزام واحترام الوقت، وهي عناصر انعكست على تجربته الإخراجية.

وبدأت علاقته بالإخراج مبكراً، في السادسة عشرة من عمره، متأثراً بوالده الذي كان مخرجاً مسرحياً في الإسكندرية. واستعاد محطة عام 2008، حين قدم عرضاً لم يكن يتوقع أن يتجاوز حدود التجربة، قبل أن يقع عليه الاختيار لتمثيل مصر في مهرجان دولي ويحصد جائزة أفضل عرض، لتصبح تلك اللحظة نقطة تحول في مسيرته.

كما توقف أمام دور الدكتور أشرف زكي في انتقاله إلى القاهرة والعمل مخرجاً بالمسرح القومي، إلى جانب تجربته في إدارة فرقة الإسكندرية المسرحية لمدة تسع سنوات.

وتكشف تجربته أن المسار الفني لا يتشكل بقرار واحد أو فرصة عابرة، بل بتراكم التجارب والانضباط والقدرة على تحويل الفرص إلى محطات تأسيسية.

ديانا لازار.. الفن جسر بين الثقافات

من جانبها، عبرت الفنانة الرومانية ديانا لازار عن اعتزازها بالتكريم وتمثيل رومانيا في المهرجان، مؤكدة أن التبادل الثقافي بين البلدان يفتح مساحات للتواصل والتفاهم، ويمنح الفن قدرة على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية.

ولم تحصر لازار دور الفنان في تقديم الأعمال، بل ربطته بإلهام الأجيال الشابة ومساعدتها على اكتشاف قدراتها، موجهة رسالة تدعو إلى التمسك بالأحلام ومواجهة الصعوبات بالشغف والمثابرة.

وقد أضاف حضورها بعداً دولياً إلى الندوة، مؤكداً أن المهرجانات الشبابية لا تكتسب قيمتها فقط من عدد العروض والفرق المشاركة، وإنما من قدرتها على خلق حوار بين تجارب وثقافات مختلفة.

أحميدة عياشي.. المونودراما والماراثون ومواجهة الذات

وقدم الكاتب والممثل والناقد المسرحي الجزائري أحميدة عياشي زاوية مختلفة، انطلق فيها من تجربته في المونودراما وعلاقته بالجري والماراثون، رابطاً بين الممثل الذي يقف وحيداً على الخشبة والعداء الذي يخوض سباقاً طويلاً في مواجهة جسده وقدرته على الاحتمال.

واستعاد اهتمامه بالمونودراما منذ تسعينيات القرن الماضي، حين كان يعمل صحفياً وممثلاً، مشيراً إلى ما يمنحه هذا الشكل المسرحي من مساحة واسعة للتعبير والتأمل، لكنه يضع صاحبه في مواجهة مباشرة مع الجمهور، دون مساحة للاختباء خلف الآخرين.

واعتبر أن الماراثون، بمسافته البالغة 42 كيلومتراً، ليس مجرد منافسة رياضية، بل اختبار للإرادة والصبر والقدرة على الاستمرار، مستلهماً تجربة الروائي الياباني هاروكي موراكامي في الربط بين الجري والكتابة والإبداع.

وفي حديثه عن تكريمه بدرع سميحة أيوب التقديرية، استعاد تقديره للفنانة الراحلة واهتمامها بالمونودراما، معبراً عن سعادته بأن يحمل التكريم اسمها، وأن يجمعه الاحتفاء بقامات فنية مثل سهير المرشدي وأحمد بدير.

ما بعد التكريم.. كيف تتحول الكلمات إلى فعل؟

رغم اختلاف التجارب التي عرضها المكرمون، فإن الندوة كشفت عن مجموعة من الأسئلة المشتركة التي تتجاوز الاحتفاء بالأسماء: كيف تتحول خبرات الكبار إلى معرفة متاحة للشباب؟ وكيف تنتقل المهرجانات من تقديم العروض إلى دعم استمراريتها؟ وما الآليات التي تضمن ألا تنتهي العلاقة بين الفنانين الشباب والمؤسسات الثقافية بانتهاء الفعاليات؟

وهنا تبرز أهمية ما طرحه أحمد بدير بشأن توثيق العروض، إلى جانب تأكيد سهير المرشدي ضرورة منح الشباب مساحة حقيقية للتعبير، باعتبارهما مدخلين عمليين لتحويل الخطاب الداعم للمواهب إلى نتائج ملموسة.

وفي ختام الندوة، أكد المخرج مازن الغرباوي، مؤسس ورئيس المهرجان، أن وجود المكرمين بين الشباب والنقاد والإعلاميين لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء اللقاء، وإنما يمثل بداية لحوار وتواصل أوسع.

وتبدو هذه الفكرة اختباراً مهماً للمهرجان في دورته الحادية عشرة؛ فتكريم أصحاب التجارب الثرية يكتسب معناه الأعمق عندما يتحول إلى جسر بين الأجيال، وعندما يجد الشباب في هذه اللقاءات ما يتجاوز الاحتفاء الرمزي إلى الخبرة والمعرفة وفرص العمل.

فالمهرجان الذي يحمل اسم الفنانة سهير المرشدي، ويحتفي بتجارب فنية من مصر ورومانيا والجزائر، أمامه فرصة لأن يجعل من ذاكرة المسرح نقطة انطلاق لمستقبله، لا مجرد مناسبة لاستعادة ماضيه.

وتقام الدورة الحادية عشرة خلال الفترة من 1 إلى 5 نوفمبر الجاري، برعاية وزارة الثقافة، ووزارة السياحة والآثار، والهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، وبدعم محافظة جنوب سيناء، وبرعاية ذهبية من بلدية ظفار بسلطنة عمان، فيما تتولى الفنانة إلهام شاهين الرئاسة الشرفية، ويقود المهرجان المخرج مازن الغرباوي، وتتولى الدكتورة إنجي البستاوي منصب المدير العام، بالتعاون مع فندق دريمز بيتش الشريك المستضيف وجامعة الكتاب العراقية الشريك العلمي.